ذهبت تقديرات معاهد ومراكز الأبحاث الاقتصادية الى توقع حدوث انكماش في الاقتصاد خلال العام 2020م وتراجع الناتج المحلي الإجمالي بنسبة تتراوح ما بين -5 و- 6 في المئة خلال العام، فيما ذهبت مراكز الى تراجع سالب بواقع 9 في المئة تقريباً وذلك بسبب اثار انتشار فيروس كورونا.

وفي هذا الإطار انخفض مؤشر مناخ الأعمال الشهري الذي يصدره معهد الابحاث الاقتصادية في جامعة ميونخ Ifo إلى 87,7 نقطة في شهر مارس بعد ان كان قد وصل الى مستوى 96 نقطة في شهر فبراير الماضي، وذلك وفقا لمسح أجراه لآراء حوالي 9000 من مديري الشركات في مختلف القطاعات الاقتصادية. ويعد هذا أكبر انخفاض للمؤشر منذ عام 1991م، وكذلك أدنى مستوى يصل الية المؤشر منذ أغسطس 2009م. وقال رئيس المعهد Clemens Fuest ان “الاقتصاد الألماني في حالة ركود” مضيفاً ان التباطؤ الاقتصادي المتوقع في ألمانيا يمكن أن يصبح أكثر حدة هذا العام مما كان عليه في الأزمة المالية لعام 2009م. وذكر Fuest انه “إذا تراجع النشاط الاقتصادي في ألمانيا إلى 65 في المئة فقط من المستويات الطبيعية لمدة شهرين ، مارس وابريل، ثم نما مرة أخرى كما هو متوقع، فسوف يتقلص الناتج الاقتصادي للعام بأكمله بنسبة خمسة في المئة، وسيكون هذا ركوداً اقتصاديا مماثلا  لما حدث في الأزمة المالية العالمية في العام 2009م، لكنه قد يصبح أسوأ بكثير”. وأضاف Fuest ان تكاليف الازمة الحالية سوف تتجاوز تكاليف كل الازمات الاقتصادية والكوارث الطبيعية في ألمانيا خلال العشر سنوات الماضية، وبحساب الاحتمالات المختلفة فان التكاليف التي سيتحملها الاقتصاد الألماني جراء الازمة ستتراوح ما بين 255 و729 مليار يورو.

من جهته عدل معهد دراسات الاقتصاد العالمي IfW التابع لجامعة Kiel من توقعاته لنمو الاقتصاد لهذا العام حيث كان قد توقع بداية شهر مارس تراجعا في الناتج المحلي الإجمالي للعام 2020م بنحو 0,1 في المئة قبل التطورات الأخيرة الخاصة بخفض النشاط الاقتصادي لدرء مخاطر وباء كورونا، والتي يتوقع لها سيناريوهين: يفترض السيناريو الأول استمرار خفض النشاط الاقتصادي حتى نهاية شهر ابريل ثم يعود للارتفاع تدريجيا بداية من شهر مايو، وهنا يُتوقع ان ينخفض الناتج المحلي الإجمالي بحوالي 150 مليار يورو، أي ما يمثل نسبة 4,5 في المئة. اما السيناريو الثاني والقائم على توقع استمرار تراجع النشاط الاقتصادي لثلاثة أشهر إضافية حتى نهاية شهر يوليو يليه بداية للانتعاش الاقتصادي في شهر أغسطس، فإن الناتج المحلي الإجمالي الألماني سينخفض ​​خلال العام 2020م بنسبة 8,7 في المئة. ويتفق باحثو المعهد على ان الناتج المحلي الإجمالي في شهر مارس سوف ينخفض بنسبة 18 في المئة مقارنة بالشهر الذي سبق وهو الانخفاض الذي سوف يستمر في شهر ابريل بنسبة مشابهه. لكن المعهد يقدم توقعات متفائلة بعودة الاقتصاد الألماني الى النمو بقوة في العام 2021م وتعويض خسائره في العام الحالي حيث يُتوقع ان يصل النمو الى نسبة 7,2 في المئة في العام القادم في حال استمر تراجع النشاط الاقتصادي حتى نهاية شهر ابريل من هذا العام، وسوف يبلغ هذا النمو نسبة 10,9 في المئة في حال استمر خفض النشاط الاقتصادي في العام 2020م الى نهاية شهر يوليو.

من جهتها تعمل الحكومة الألمانية على منع تدهور الأوضاع المالية للشركات والأفراد نتيجة القرارات التي اتخذتها لمجابهة جائحة كورونا والصعوبات الفورية المرتبطة بها. وقد أقرت الحكومة الألمانية حزمة من الإجراءات الاقتصادية وحزمة مساعدات بقيمة تتجاوز 750 مليار يورو. من ضمن هذه الإجراءات إقرار ميزانية تكميلية للعام الجاري بقيمة 156 مليار يورو وصندوق انقاذ اقتصادي قيمتة 600 مليار يورو.

وفي الميزانية التكميلية لعام 2020م، التي وافقت عليها الحكومة الاتحادية تمت الموافقة على نفقات إضافية قدرها 122,5 مليار يورو بالإضافة الى توقع تراجع الإيرادات الضريبية بنحو 33,5 مليار يورو. وقال وزير المالية الاتحادي اولاف شولز ان حزمة المساعدات هذه غير مسبوقة، مؤكدا ايضاً على ان ” الميزانية التكميلية تمكننا من تنفيذ كل شيء بشكل سريع وهادف حتى تصل الأموال إلى حيث هي مطلوبة الآن”. وبحسب وزارة المالية تم تخصيص 55 مليار يورو في الميزانية التكميلية لمكافحة جائحة كورونا. كما تضمن برنامج المساعدات تخصيص مبلغ 50 مليار يورو لدعم الشركات الصغيرة والصغرى وأصحاب الاعمال الفردية، وتتمثل هذه الشركات الصغرى بالشركات التي لا يزيد عدد موظفيها عن عشرة موظفين، وبحسب وزير الاقتصاد بيتر التماير فان هذه الشركات الصغيرة تشغل نحو 10 ملايين موظف وعامل. ومن الإجراءات المستعجلة لدعم هذه الشركات تقديم مساعدات فورية بنحو 9 الاف يورو لمدة ثلاثة أشهر للشركات التي يصل عدد موظفيها الى خمسة موظفين و15 ألف يورو للشركات التي لا يزيد عدد موظفيها عن عشرة حتى تتمكن من تسديد التزاماتها الملحة مثل دفع الإيجارات.

الى جانب الميزانية التكميلية اقرت الحكومة قانون صندوق الاستقرار الاقتصادي والذي سيوفر ضمانات وسيولة مالية للشركات بحوالي 400 مليار يورو، كما تم تخصيص 100 مليار يورو لشراء الحكومة شركات في الاقطاع الخاص أو المشاركة في رأسمالها وذلك لمنع افلاسها، بالإضافة الى 100 مليار يورو أخرى ستوجه لدعم بنك التنمية وإعادة الاعمار الحكومي KfW-bank، ويسري قانون صندوق الاستقرار الاقتصادي حتى نهاية العام 2021م.

ويمثل الغطاء والسيولة المالية التي قدمتها الحكومة الألمانية لحماية الاقتصاد والشركات ” الضمانة الأكثر شمولية وفاعلية التي تم تقديمها في اية ازمة على الاطلاق”، وذلك بحسب وزير الاقتصاد بيتر التماير. وأكدت الحكومة عن استعدادها لتوفير السيولة اللازمة لاي شركة او مؤسسة اقتصادية تحتاجه لاستمرار عملها. وهذه السيولة متاحة للجميع من مستوى “سائق التاكسي وحتى الشركات التي يبلغ دخلها ملياري يورو” بحسب الوزير التماير. وتتمتع ألمانيا بوضع مالي مستقر يتيح لها مواجهة الازمة، حيث لا يتجاوز مستوى الدين العام بالنسبة للناتج المحلي الإجمالي نسبة 60 في المئة بعد ان كان قد وصل عقب الازمة المالية العالمية الى نسبة 80 في المئة. كما تتمتع الحكومة الألمانية ومؤسسات الدولة الألمانية الأخرى باحتياطيات مالية معتبرة حيث تمتلك الحكومة الاتحادية 48,2 مليار يورو في صندوق اللاجئين بينما تمتلك الصناديق التقاعدية الحكومية احتياطيات مالية بنحو 40,5 مليار يورو، وتمتلك الوكالة الاتحادية للعمل احتياطيات تصل الى 26 مليار يورو فيما تمتلك مؤسسات التأمين الصحي الحكومية 19,8 مليار يورو كاحتياطيات مالية.

من ناحيته أكد أولاف شولز وزير المالية الاتحادي ان الحكومة قد اتخذت قرارات واسعة النطاق لمساعدة الاقتصاد على تجاوز هذه المرحلة، حيث عملت على ضمان سيولة كافية وغير محدودة للشركات وتسهيل إجراءات تسجيل العمل بدوام قصير لحماية الوظائف، إضافة الى العمل على مساعدة الصناعات التي تفقد الطلبات أو تتأثر بشدة بتدابير الحماية. كما تعمل الحكومة على دعم أصحاب المهن الحرة والذين يعملون لحسابهم حيث يوجد برنامج لضمان التأمين الأساسي لهؤلاء بالفعل سيجري استخدامه وتفعيلة بشكل غير بيروقراطي وكذلك جعل البرنامج معروفًا بشكل أفضل للجمهور للمساعدة في تخفيف بعض المخاوف.

وبحسب وزير المالية فان الحكومة لن تدع الاقتصاد يتعطل، مؤكدا على ضرورة عدم تردد الشركات في طلب قروض حكومية لتوفير السيولة في حالة احتياجها لها، مشيرا الى الازمة الحالية تختلف اختلافا جوهريا عن الازمة المالية التي شهدها العالم في عامي 2008م و2009م. واصفا الوضع المالي لألمانيا في الوقت الحاضر بالمريح ، خاصة في ضوء السياسة الثابتة في انجاز ميزانية بدون عجز خلال السنوات الماضية والتي تمكن الحكومة الان من القيام بما هو ضروري لحماية الاقتصاد، بالإضافة الى ان القرارات التي تم اتخاذها منذ الازمة المالية العالمية ساهمت في جعل البنوك والقطاع المصرفي أكثر استقراراً .

 

سوق العمل: إجراءات حكومية لمنع فقدان الوظائف في الاقتصاد  

اظهر تقرير اولي صادر عن الوكالة الاتحادية للعمل ان حوالي 76700 شركة في ألمانيا أعلنت العمل بدوام قصير حتى الان وذلك بسب تفشي فيروس كورونا. ويمثل ذلك بحسب الوكالة ارتفاعا كبيرا بالمقارنة بالعام 2019م والذي بلغ متوسط عدد الشركات التي لجاءت الى العمل بدوام قصير 600 شركة أسبوعيا. وتسعى الشركات التي تعلن العمل بدوام قصير الى حماية الوظائف وفرص العمل وحصول موظفيها على بدل العمل القصير Kurzarbeitergeld (يدفع مكتب العمل 60 في المئة من الراتب للموظف العادي و67 في المئة للموظفين الذين لديهم أطفال). وتشير مصادر الوكالة الى ان تسجيل الشركات بالعمل وفق الدوام القصير قد تجاوز كل الأرقام المسجلة في السابق، كما شملت هذه الزيادة في طلبات العمل بدوام قصير كل الولايات الألمانية وان كانت أكثر وضوحاً في ولايات بافاريا، شمال الراين-وستفاليا وكذلك في ولاية بادن-فورتمبيرج، كما غطت اغلب القطاعات الاقتصادية مع التركز بشكل أكبر على قطاعات النقل والدعم اللوجستي، الفنادق والمطاعم بالإضافة الى قطاع السياحة والمعارض.

وقال المدير التنفيذي لمكتب العمل الاتحادي Detlef Scheele ” الموظفون وأرباب العمل غير مستقرين ويواجهون تحديات مالية كبيرة ووجودية في بعض الأحيان” مؤكدا على السعي الى العمل على ” دعم جميع المتضررين في هذا الوضع الخاص، وبالتالي تجنب تسريح الموظفين قدر الإمكان” مضيفاً ان ” استحقاق العمل لوقت قصير هو ميزة إلزامية ندفعها للجميع إذا تم استيفاء الشروط، ونحن نعمل حاليًا على زيادة تبسيط الإجراءات بحيث يمكن لأصحاب العمل الإبلاغ عن العمل لوقت قصير والتقدم بطلب للحصول على بدل عمل لوقت قصير بأسرع ما يمكن وبدون بيروقراطية قدر الإمكان”.

وتتوقع الحكومة الألمانية تضرر ما يقرب من 2,35 مليون موظف وعامل من ازمة تفشي فيروس كورونا والذين سيضطرون الى اللجوء الى نظام مساعدات العمل بدوام قصير وهو النظام الذي يعوض العمال والموظفين بجزء من الراتب ويحول دون خسارة الوظائف بشكل كامل، منهم ما يقرب من 2,15 مليون عامل وموظف نتيجة لأثار الازمة الاقتصادية الناتجة عن تفشي فيروس كورونا بينما سيضاف إليهم حوالي 200 ألف عامل خلال شهر ديسمبر القادم والذين سيعملون لفترات قصيرة لأسباب موسمية.

كما تتوقع وزارة العمل الاتحادية لهذا السبب وجود تكاليف إضافية بقيمة أكثر من 10 مليار يورو ستمد بها وكالة العمل الاتحادية (BA). وستمول الحكومة هذه التكاليف الإضافية من احتياطيات وكالة العمل البالغة 26 مليار يورو.  ويأتي هذا القرار لتخفيف العواقب الاقتصادية لأزمة الفيروس على الشركات والموظفين.  ويتجاوز العدد المتوقع للعمال بدوام قصير في العام 2020م الرقم القياسي السابق البالغ 1,4 مليون عامل وموظف تقريبًا والذي تم تسجيله في ذروة الأزمة الاقتصادية والمالية في عام 2009م. والتي كلفت الحكومة الألمانية في ذلك الوقت ما يقرب من 4,6 مليار يورو.

هذا وكان اخر تقرير شهري صادر عن الوكالة الاتحادية للعمل عن سوق العمل في شهر فبراير الماضي قد اظهر تراجع البطالة بنحو 30 ألف شخص مقارنة بالشهر الذي سبق بسبب فصل الشتاء المعتدل وليصل مجموع العاطلين عن العمل في ألمانيا الى 2,396 مليون شخص، بزيادة عن نفس الشهر من العام الماضي بنحو 23 ألف شخص. كما استقر معدل البطالة عند مستوى 5,3 في المئة وهو نفس مستوى البطالة في شهر يناير من هذا العام وكذلك شهر فبراير من العام الماضي. من جهة أخرى ما يزال الطلب على العمال الجدد مرتفعا في المقارنة طويلة الأجل، لكنه مستمر في الانخفاض بشكل ملحوظ مقارنة بالعام السابق حيث تم تسجيل 690 ألف وظيفة شاغرة لدي الوكالة الاتحادية للعمل في شهر فبراير 2020م، أي أقل بـ 94 ألف وظيفة عما كانت عليه قبل عام.

ازدياد الهوة بين الفقراء والاغنياء في ألمانيا

توصلت دراسة حديثة أجراها المعهد الألماني للبحوث الاقتصادية (DIW) إلى نتيجة مفادها أن الثروة في ألمانيا تتوزع بشكل غير متساو. حيث يمتلك أغنى عشرة في المئة من السكان أكثر من نصف إجمالي الثروة (56 في المئة).  ووفقا ايضا لنتائج دراسة أجراها معهد العلوم الاقتصادية والاجتماعية (WSI) وصل عدم المساواة في الدخل في ألمانيا إلى مستوى مرتفع جديد واتسعت الفجوة بين الأثرياء والفئات ذات الدخل المنخفض بشكل أكبر في السنوات الأخيرة في ألمانيا على الرغم من الاقتصاد الجيد والوضع الملائم في سوق العمل.

وعلى الرغم من أن عدم المساواة تنمو حاليًا بشكل أبطأ بكثير مما كانت عليه في بداية الألفية، أكدت الدراسة ان التطور لم يؤثر بشكل رئيسي على وضع الأسر ذات الدخل المتوسط، لكنه تسبب في توسيع الفجوة بين الفقراء والأغنياء.

وتقول الدراسة “يتركز المزيد والمزيد من الدخل في الطبقة الأكثر ثراءً “، لأن الفئات ذات الدخل المرتفع استفادت من رأس المال المتدفق ودخل الشركات. في المقابل، استمرت نسبة 40 في المئة من الأسر ذات الدخل الأدنى في الانخفاض، مقارنة أيضًا بالطبقة الوسطى، التي استفادت من الوضع الجيد لسوق العمل والزيادات الملحوظة في الأجور. وبحسب الدراسة “يتأثر المزيد من الناس بالفقر”، حيث ارتفع عدد الأسر التي لديها أقل من 60 في المئة من متوسط ​​الدخل العام في ألمانيا، وبالتالي تعتبر فقيرة، من 14,2 في المئة إلى 16,7 في المئة من اجمالي الاسر الألمانية بين عامي 2010م و2016م.

كما ازدادت أوضاع الاسر الفقيرة سوءاً خلال هذه الفترة حيث ارتفع المبلغ اللازم لهذي الاسر لتجاوز نسبة ال 60 في المئة من متوسط الدخل العام والذي كان يبلغ في العام 2005م حوالي 2873 يورو سنوياً الى نحو 3452 يورو في العام 2016م وبنسبة زيادة بلغت ما يقرب من 30 في المئة وذلك نتيجة للتضخم. وعلى الرغم من ارتفاع مستوى الأجور في ألمانيا خلال السنوات الماضية فان مجموعة من السكان الأقل دخلاً لم تستطع الاستفادة من هذه الزيادات بل تراجع الدخل الذي يحصل علية حوالي 10 في المئة من الأسر في ألمانيا في العام 2016م بعد ارتفاع التضخم عما كان عليه في عام 2010م.

في سياق متصل أظهرت دراسة معهد WSI، ان متوسط الدخول في الولايات الشرقية من ألمانيا قد ارتفع بشكل أسرع بكثير من ولايات غرب ألمانيا، إلا أن فارق متوسط الدخل ما يزال قائما بشكل ملحوظ لمصلحة الولايات الغربية، لكن الفجوة آخذة في التقلص. ومن أجل مواجهة التفاوت المتزايد في الدخل، يوصي خبراء معهد WSI بمجموعة كاملة من الإجراءات الحكومية من اهمها: تعزيز اتفاقيات المفاوضة الجماعية الخاصة بتحديد الأجور إلى جانب زيادة الحد الأدنى للأجور وزيادة الضرائب على أصحاب الدخل الأعلى والميراث المرتفع للغاية.

 

مميزات ألمانيا كموقع لبدأ الاعمال والمشاريع (رواد الأعمال Startup)

تتميز ألمانيا كموقع لبدأ المشاريع والاعمال وفقا للعديد من العوامل، ويظهر تميز المانيا في هذا المجال ليس فقط في مجال توفر التقنيات المتطورة ووجود الباحثين والمتخصصين المؤهلين في التطوير ولكن أيضا في جانب التمويل ودعم الشركات الناشئة. من اهم هذه المميزات ما يطلق علية “ملائكة الاعمال ” وهم مجموعة من المستثمرين ومن أصحاب المشاريع الناشئة الناجحة والذين يقدمون التمويل المالي للمشاريع والشركات الناشئة في مرحلة التأسيس وبدأ الاعمال وقبل حتى ان تصل الى مستوى اثارة اهتمام المستثمرين. وبحسب الإحصاءات كان هنالك حوالي 2200 شركة استثمارية تقدم الدعم المالي للشركات والمشاريع الناشئة خلال النصف الثاني من العام 2019م، وتمثل هذه الشركات الممولة والداعمة القوة الدافعة للمشاريع الناشئة. وفقا للإحصاءات أيضا يتم تأسيس مشروع جديد كل أربع ساعات في المتوسط في ألمانيا، ويقدم الداعمون الماليون “ملائكة الاعمال ” ما بين 50 ألف و150 ألف يورو دعم لمشاريع وشركات في مرحلة التأسيس، كما يتم دعم الشركات الناشئة خلال اول عامين من نشؤها بينما يبدأ المستثمرون في الاهتمام بالشركة الناشئة بعد ثلاث سنوات من عمرها. كما تتميز ظاهرة “ملائكة الاعمال ” بمستوى عالي من المشاركة في الدعم والاستثمار في هذه المشاريع حيث، ومن ضمن أكثر من ألف مشروع خلال النصف الثاني من العام 2019م، حصل 180 مشروع فقط على دعم مستثمر وحيد بينما بلغ المتوسط 3,7 مستثمر لكل مشروع. وهناك ما يمكن تسميته بمجموعات المستثمرين حيث يوجد في المانيا ستة اندية للمستثمرين و40 شبكة خاصة بهم.  وتظهر أهمية الدور الذي يقوم به الداعمون الماليون “ملائكة الاعمال ” في دعم المشاريع الناشئة بالنظر الى المدة التي يستغرقها رفع رأسمال الشركة الناشئة حيث يستغرق ذلك في المتوسط نحو عامين حيث تتلقى الشركة الناشئة اول استثمار بعد 23 شهرا من تأسيسها وثاني رفع لرأس مالها من خلال الاستثمارات يتم بعد ثلاث سنوات من انشائها وثالث استثمار بعد خمس سنوات.

وتمثل برلين مدينة الداعمين الماليين “ملائكة الاعمال ” الأكبر في ألمانيا حيث تحتوي على 250 داعم مالي بينما تأتي ميونخ في المركز الثاني بنحو 156 مستثمر، هامبورج 84 مستثمر وفي فرانكفورت 56 مستثمر، وعلى الرغم من ذلك فالمستثمرون نشيطون جدا خارج الولاية التي يتوجدون فيها. والى جانب الداعمين الماليين تساهم أيضا المؤسسات الحكومية في دعم المشاريع الناشئة في مرحلة مبكرة من اعمالها. وقد بلغ اجمالي المستثمرين في المشاريع الناشئة في العام 2019م حوالي 2944 مستثمر من ضمنهم 2191 من الداعمين “ملائكة الاعمال”، 234 شركة خاصة و351 مستثمر يمثلون المؤسسات الحكومية. وتتركز اعمال ونشاطات الشركات الناشئة في ألمانيا على قطاعات أساسية، حيث ومن ضمن 2289 شركة ناشئة جرى تأسيسها في العام 2019م تم انشاء 481 شركة تعمل في مجال تطوير البرمجيات، قطاع الصحة شهد تأسيس 260 شركة، وانشئت 165 شركة في مجال التجارة الالكترونية وشهد القطاع الصناعي تأسيس 130 شركة، كما تم تأسيس 41 شركة ناشئة في مجال الطاقة و29 شركة في قطاع تكنولوجيا البيئة.

وتواجه الشركات الناشئة العديد من التحديات والتي تتركز في جانبين، الأول يتمثل في ان المشكلة الأساسية لدي اصحاب المشاريع البادئة في الخشية من نسخ الأفكار الخاصة بالعمل او خسارة المختصين المميزين عبر جذبهم واستقطابهم من شركات منافسة. وتتمثل الإشكالية في كون المشروع مبتكراً والأول في مجاله والذي يتبع نموذجا جديدا في الاعمال يمكن ان يكون عاملا سلبياً، حيث يبذل صاحب المشروع الأول كل الجهود ويستهلك كل الإمكانيات لتنفيذ الأفكار الجديدة بينما يأتي من ينفذ مشروعا مشابها من بعده ليقوم بالأعمال بشكل أكثر سهولة وأحيانا بشكل أفضل.

فيما يتمثل التحدي الثاني في مواجهة الشركات الكبرى التي تعمل في نفس المجال والتي لديها من الإمكانات والقدرات والخبرات ما يصعب عملية منافستها إضافة الى التغيرات التقنية والتي تتطلب تمويلا ضخما لتطويرها والذي غالبا ما تفتقده الشركات الناشئة. وتظهر هنا صناعة السيارات كأحد أفضل الأمثلة حيث تشهد هذه الصناعة تغيرات جذرية وتطورات غير مسبوقة تستهدف الانتقال بالصناعة الى مستوى مختلف حيث أصبحت مشاريع السيارات الكهربائية والسيارات ذاتية القيادة هي المشاريع المستقبلية الرئيسية، الا ان الفرصة التي تمتلكها الشركات الناشئة في هذا الجانب تتمثل في تطوير اجزاء أو تقنيات محددة حيث تنافس الشركات الناشئة كبريات شركات صناعة السيارات وصناعة أجزاء السيارات في تطوير تقنيات مثل أنظمة الاستشعار بالرادار والذي يستخدم في السيارات ذاتية القيادة.

 

البنك المركزي الأوروبي يقر حزمة إجراءات لتفادي ازمة ديون حكومية في منطقة اليورو

أطلق البنك المركزي الأوروبي برنامجاً يهدف الى تفادي حدوث ازمة ديون حكومية في منطقة اليورو، ويقوم هذا البرنامج على شراء السندات الحكومية بقيمة 750 مليار يورو، وهو ما يمثل 7,3 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي لمنطقة اليورو. كما سيقوم البنك بشراء المزيد من الأوراق المالية والسندات الحكومية لدول منطقة اليورو وديون واسهم الشركات، كما سيشترى البنك ديون اليونان، وهو الامر الذي لم يقم به قبل ذلك. كما سيوسع البنك من الحد الاقصى لشراء السندات الحكومية حيث لم يكن من المسموح للبنك شراء أكثر من ثلث السندات الحكومية لاي دولة. هذا بالإضافة الى ان البنك المركزي الأوروبي ابدى استعداده لتوسيع البرنامج بحسب ما تقتضيه الضرورة والتطورات التي سيشهدها الاقتصاد الأوروبي.

ومن ضمن دول منطقة اليورو تعد إيطاليا هي البلد الأكثر تضررا من انتشار فيروس كورونا بعد الصين، حيث يتزايد بسرعة عدد المصابين والموتى.  والذي يهدد اقتصاد هذا البلد بالانهيار وهو ما تسبب في حالة من التوتر في الأسواق المالية. انعكس في ارتفاع عائدات سندات الحكومة الإيطالية ذات العشر سنوات الى أكثر من 2,9 في المئة بينما لم تكن تتجاوز منذ اقل من شهر حاجز 0,9 في المئة. كما يتعين على اليونان وإسبانيا والبرتغال الآن دفع سعر فائدة أعلى بكثير لتمويل دينها العام، وهو ما يذكر بالأوضاع التي كانت سائدة خلال ازمة اليورو.

والسؤال الذي يتعلق الآن بالمستثمرين هو: هل يمكن لدول جنوب أوروبا المتضررة بشكل خاص من كورونا، مثل إيطاليا وإسبانيا، تحمل حزم المساعدات الضخمة اللازمة لاحتواء الوباء والضرر الاقتصادي؟ حيث يتزايد الشك ومعه القلق بشأن الوحدة النقدية، حيث تسود حالة من انعدام الثقة بين المستثمرين في منطقة اليورو. وتمثل البلدان التي تعاني من ازمة ديون حكومية والتي تضم الى جانب إيطاليا واسبانيا كل من اليونان والبرتغال نحو 20,9 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي لدول الاتحاد الأوروبي ال 28، والتي يبلغ مجموع ناتجها المحلي 16382,9 مليار يورو بينما يبلغ الناتج المحلي لإيطاليا 1777,2 مليار يورو وبنسبة 10,8 في المئة، واسبانيا 1241,9 مليار يورو وبنسبة 7,6 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي للاتحاد الأوروبي، البرتغال 210,8 مليار يورو وبنسبة 1,3 في المئة ومن ثم اليونان بناتج محلي اجمالي 189,5 مليار يورو وبنسبة 1,2 في المئة.

وهناك سببان للتركيز الآن على إيطاليا: فأولاً، تتأثر إيطاليا بشكل خاص بالوباء. ثانياً، وكثالث أكبر اقتصاد في منطقة اليورو وبعدد سكانها البالغ 60 مليون نسمة تعد إيطاليا “أكبر من أن تفشل” بسبب تأثير ذلك على منطقة اليورو بمجملها. الا ان إيطاليا تعاني من مشكلات مزمنة، ولم تعالج أي من الحكومات العديدة الاختلالات الهيكلية، اذ بالإضافة إلى ضعف النمو هناك دين حكومي يمثل 134 في المئة من الناتج المحلي الاجمالي ويستمر في النمو، الى جانب انخفاض الإنتاج الصناعي ومعدل بطالة يقترب من عشرة في المئة. ولهذا يحذر مارسيل فراتزشر، رئيس المعهد الألماني للبحوث الاقتصادية (DIW) من ان “سيناريو مثل عام 2012م، عندما كانت إيطاليا على وشك الإفلاس، لا يمكن استبعاده”.  كما حذر كليمنس فويست الرئيس التنفيذي لمعهد الأبحاث الاقتصادية التابع لجامعة ميونخ Ifo من ان “المالية العامة في منطقة اليورو في خطر شديد، خصوصا في البلدان المثقلة بالديون، حيث يمكن أن يكون هناك انهيار في الثقة “، مشدداً على انه يجب أن تشير دول منطقة اليورو والبنك المركزي الأوروبي (ECB) بوضوح إلى أن جميع البلدان مدعومة باستمرار والتأكيد على استبعاد التخلف عن سداد الديون الحكومية.

وقد أعطت مفوضية الاتحاد الأوروبي أول توقعات للتكاليف الناتجة عن ازمة انتشار فيروس كورونا حيث يمكن أن ينخفض ​​النمو الاقتصادي في منطقة اليورو بنسبة 2,5 في المئة هذا العام. بينما أكد البنك المركزي الأوروبي (ECB)، ان الناتج المحلي الإجمالي لمنطقة اليورو سيتراجع بنسبة 2 في المئة إذا استمر الإغلاق الاقتصادي وتوقف النشاط التجاري والصناعي الذي تم الإعلان عنه لمدة شهر. وقد يؤدي الإغلاق لمدة ثلاثة أشهر إلى دفع الناتج المحلي الإجمالي للأسفل 5,8 نقطة مئوية. بالإضافة الى ذلك تشير تقديرات أولية الى ان الشركات في منطقة اليورو سوف تخسر 641 مليار يورو من المبيعات بحلول عام 2021م إذا استمرت حالة الأزمة حتى نهاية العام.

من جهتها اكدت رئيسة البنك المركزي الأوروبي كريستين لاغارد ان الاقتصاد في دول الاتحاد قد يشهد تراجعا بنسبة خمسة في المئة إذا استمرت إجراءات مواجهة فيروس كورونا لمدة شهرين، وقالت رئيسة البنك الأوروبي ان جزءً كبيراً من الاقتصاد في منطقة اليورو “مشلول مؤقتا”، وان الوضع الحالي يهدد الوظائف ويهدد وجود الشركات، مضيفةً ان جائحة كورونا شكلت “صدمة اقتصادية خطيرة للغاية تتطلب استجابة سياسية طموحة ومنسقة وفورية على جميع الجبهات”، وشددت لاغارد ان البنك المركزي الأوروبي سيفعل كل شيء من اجل الحفاظ على الاقتصاد من التراجع الشديد.  واعتبرت رئيسة البنك المركزي الأوروبي ان من شأن تشديد شروط التمويل أن يزيد الضرر الناتج عن الصدمة التي تسبب بها انتشار فيروس كورونا، في وقت يحتاج فيه الاقتصاد إلى مزيد من الدعم. اذ ومع الانخفاض الحاد لإنفاق القطاع الخاص، فان تدهور ظروف تمويل القطاع العام، والذي يمثل نصف الاقتصاد في منطقة اليورو تقريباً، يمكن أن يشكل تهديدًا لاستقرار الأسعار.

وبحسب لاغارد يقدم البنك المركزي الاوروبي حاليًا سيولة مالية تصل إلى ما يقرب من ثلاث تريليونات يورو من خلال عمليات إعادة التمويل، وبسعر فائدة هو الأقل على الاطلاق حيث بلغت الفائدة سالب 0,75 في المئة، حيث تساهم الفائدة السلبية في تعزيز استعادة النشاط الاقتصادي والاستثمار. كما يقدم البنك الأوروبي ما يقدر بنحو 120 مليار يورو لدعم رأس مال البنوك، الأمر الذي يمكن أن يحقق قدرة إقراض كبيرة للبنوك في منطقة اليورو. بالإضافة الى ذلك تفكر المفوضية الأوروبية في بروكسل في تفعيل صندوق إنقاذ اليورو ESM والذي يمتلك ما يقرب من 705 مليار يورو منها 410 مليار يورو متاحة للقروض. كما يمكن لبنك الاستثمار الأوروبي (EIB) إنشاء “صندوق كورونا” من اجل تقديم قروض للشركات في منطقة اليورو، اذ يمكن لبنك الاستثمار الأوروبي إصدار سندات جديدة لتمويل هذا الصندوق.