بحسب العديد من المؤشرات الاقتصادية ودراسات مراكز الأبحاث والخبراء الاقتصاديين، يبدي الاقتصاد في ألمانيا حالة من التعافي التدريجي من الاضرار التي تسببت بها ازمة كورونا.  حيث اظهر مؤشر معهد الأبحاث الاقتصادية التابع لجامعة ميونخ ifo تحسناً كبيراً على مؤشر توقعات الإنتاج الصناعي للأشهر الثلاثة القادمة، اذ تحسنت توقعات شركات قطاع الصناعة للمرة الثانية على التوالي في شهر يونيو، وارتفع مؤشر ifo للإنتاج الصناعي إلى +4,3 نقطة بعد ان كان في مستوى سالب -19,5 في شهر مايو. وتعد هذه ثاني أكبر زيادة في هذا المؤشر منذ إعادة الوحدة الألمانية. كما فاقت، ولأول مرة بعد ثلاثة أشهر، نسبة الشركات الراغبة في توسيع إنتاجها على الشركات المتحفظة في تطوير الإنتاج وزيادته.

     وساد التفاؤل في صناعة السيارات، وقفز المؤشر في هذا القطاع الصناعي إلى 50 نقطة، بعد ان كان قد سجل في شهر مايو زيادة بنحو 24 نقطة. كما تحسنت توقعات الاعمال في صناعة المشروبات بشكل ملحوظ وارتفع المؤشر إلى +19 نقطة في يونيو، بعد ان كان عند سالب -24 نقطة في مايو وهو ما يمثل قفزة كبيرة من 43 نقطة مقارنة بالشهر السابق. هذا وقد سجل مؤشر توقعات الاعمال في الشركات المصنعة للسلع البلاستيكية زيادة أكبر، حيث وصلت قيمة المؤشر الى +9 نقاط بعد ان كان قد سجل سالب -36 نقطة في شهر مايو.  كما تتوقع شركات صناعة المواد الغذائية أن يتوسع الإنتاج، وعلى هذا الأساس ارتفع المؤشر إلى 18 نقطة بعد ان كان سالب -3 نقاط في الشهر الذي سبق. كما توقعت غالبية شركات صناعة المنتجات الصيدلانية والأدوية زيادة الإنتاج ولهذا ارتفع المؤشر الخاص بهذه الشركات في يونيو إلى +9 نقاط، بعد ان سجل سالب – 17 في مايو.  ولا يزال مصنعي الآلات والمعدات حذرين في تفاؤلهم، اذ لا تتوقع غالبية الشركات في هذا القطاع زيادة الإنتاج في الأشهر الثلاثة المقبلة، ومع هذا التفاؤل الحذر ارتفع مؤشر الإنتاج إلى سالب – 26 نقطة في شهر يونيو، بعد سالب – 33 في شهر مايو. في قطاع إنتاج ومعالجة المعادن، ارتفع المؤشر إلى سالب – 20 نقطة، بعد ان سجل سالب – 36نقطة في شهر مايو.

     من جهة أخرى وبحسب تقرير صادر عن وزارة الاقتصاد الاتحادية فان الاقتصاد الألماني قد تجاوز النقطة الحرجة وبدأ في التعافي من ازمة كورونا، حتى وان كانت عملية التعافي والانتعاش لاتزال في بدايتها، مع التوقع ان الناتج المحلي الإجمالي سوف يعود الى النمو بداية من الربع الثالث من هذا العام، وتعتمد الحكومة الاتحادية في هذا الجانب على “حافز الاستهلاك” والذي تمثل في القرار الذي تضمنه برنامج التحفيز الاقتصادي بخفض ضريبة المبيعات الى نسبة 16 في المئة من 19 في المئة والذي سيمتد لستة اشهر بداية من الأول من شهر يوليو وحتى 31 ديسمبر 2020م.

     ومع هذا تتوقع وزارة الاقتصاد الاتحادية انخفاضاً كبيراً في الناتج المحلي الإجمالي في الربع الثاني (الذي يشمل الأشهر ابريل، مايو ويونيو) دون ان يورد تقرير الوزارة نسبةً محددةً لهذا الانخفاض، الا ان البرفسور Lars Feld رئيس لجنة حكماء الاقتصاد الألماني يتوقع تراجعاً في الناتج المحلي في الربع الثاني ما بين سالب -10 وسالب -11 في المئة. ويأتي هذا بعد ان انخفض الناتج المحلي الإجمالي بالفعل في الربع الأول من العام الجاري بواقع سالب -2,2 في المئة. هذا بالإضافة الى ان لجنة حكماء الاقتصاد كانت قد توقعت في تقرير سابق تراجع الناتج المحلي الإجمالي في ألمانيا في مجمل العام 2020م بنحو سالب – 6,5 في المئة.

     من جهة اخرى اظهر تقرير صادر عن مكتب الإحصاء الاتحادي ان قيمة الصادرات الألمانية بلغت في شهر مايو الماضي 80,3 مليار يورو وهو ما يمثل زيادة بنسبة 9 في المئة مقارنة بالشهر الذي سبق الا انها ضلت اقل بنسبة 29,7 في المئة مقارنة بمستوى الصادرات في نفس الشهر من العام الماضي.  وفي نفس السياق يتوقع اتحاد غرف الصناعة والتجارة الألمانية DIHK ان الصادرات الألمانية ستتراجع في هذا العام بنسبة 15 في المئة بسبب جائحة كورونا. وسيعتمد تعافي الاقتصاد على حجم زيادة الطلب العالمي على السلع والبضائع الألمانية والتي يتوقع اتحاد الغرف ان ترتفع صادرات هذه السلع في العام المقبل بنسبة 7 في المئة “إذا سارت الأمور على ما يرام”.

     وبحسب مسح أجراه اتحاد الغرف الألمانية لحوالي 3300 شركة ألمانية عالمية النشاط، تتوقع 83 في المئة من هذه الشركات تراجع إيراداتها العام 2020م، و15 في المئة منها تتوقع خسارة أكثر من نصف الإيرادات. وتأتي هذه التوقعات السلبية بشأن تراجع صادرات الشركات الألمانية بعد ان كانت الصادرات الألمانية تحقق خلال الأعوام السابقة نمواً متوسط بواقع 5 في المئة. وللعودة الى مستوى الصادرات في المرحلة التي كانت تسبق كورونا تتوقع كل ثاني شركة من التي شملها المسح العودة الى هذا المستوى بداية من العام 2022م او في وقت ابعد.

     وقال Volker Treier نائب الرئيس التنفيذي في اتحاد الغرف الألمانية ان الصادرات الألمانية ستقل بنحو 300 مليار يورو هذا العام، وان الشيء الإيجابي الوحيد في ذلك سيتمثل “في اختفاء الانتقادات التي كانت توجه الى ألمانيا بسبب فائضها التجاري الكبير مع بقية دول العالم”، حيث بلغ هذا الفائض خلال العام الماضي 223 مليار يورو بينما سيتراجع خلال هذا العام الى 50 مليار يورو.

     هذه الأرقام والتوقعات بتأخر عودة الصادرات الى مستواها السابق في وقت قريب والتي اظهرها المسح انعكست ايضاً على استثمارات الشركات الألمانية في الخارج والتي كانت تبلغ في المتوسط 100 مليار يورو سنوياً لتتراجع هذا العام الى 50 مليار يورو كحد اقصى. وقد أبدت 56 في المئة من الشركات التي شملها المسح رغبتها في خفض استثماراتها في الخارج بينما كانت هذه النسبة في شهر ابريل الماضي 35 في المئة فقط. كما ستتراجع الوظائف وفرص العمل التي كانت الشركات الألمانية تخلقها في فروعها ومقراتها خارج ألمانيا والتي بلغت 200 ألف وظيفة وفرصة عمل سنويا، لتنعكس الحال وتظهر احتمالية الغاء نحو 200 ألف وظيفة هذا العام من بين 7,8 مليون وظيفة أنشائها الشركات الألمانية في فروعها ومقراتها خارج ألمانيا. علاوة على ذلك أظهرت نتيجة المسح ان 67 في المئة من الشركات الصناعية الألمانية تنظر الى قيود السفر التي فرضتها ازمة كورونا كأحد المعوقات الرئيسية لأعمالها في الخارج حيث ان غياب الاتصال واللقاء المباشر يتسبب في صعوبة الحصول على عقود وطلبيات جديدة، هذا الى جانب ضرورة ان يقوم المختصون في هذه الشركات بتركيب الآلات والمعدات المعقدة التي يتم تصديرها الى الخارج هناك.

     وبشكل عام تراجع الطلب على السلع والبضائع الألمانية في جميع انحاء العالم نتيجة جائحة كورونا والركود الذي أصاب اقتصاديات جميع الدول.  وبينما يتعافى الطلب على البضائع الألمانية بشكل أسرع في الصين وغيرها من الدول الاسيوية يقل هذا التعافي كلما اتجهنا غرباً. ويتوقع اتحاد الغرف الألمانية DIHK ان تتراجع الصادرات الألمانية الى الولايات المتحدة الامريكية بنسبة 15 في المئة، فيما سيكون التراجع الأكبر لهذه الصادرات داخل منطقة اليورو الاقتصادية بسبب خفض النشاط الاقتصادي في دول مثل إيطاليا واسبانيا وفرنسا، حيث ستتراجع الصادرات الألمانية لهذه الدول بنسبة 20 في المئة هذا العام.

سوق العمل: معدل البطالة يستمر في الارتفاع بسبب ازمة كورونا

     واصل عدد العاطلين عن العمل في ألمانيا في الارتفاع كنتيجة مباشرة للأثار الاقتصادية لجائحة كورونا والإجراءات الاقتصادية والاجتماعية التي اتخذت لمواجهتها. حيث ارتفع عدد العاطلين في شهر يونيو بالمقارنة مع الشهر الذي سبقه بنحو 40 ألف شخص ليصل مجموع العاطلين عن العمل في ألمانيا الى 2,853 مليون شخص وهو ما يمثل زيادة بحوالي 637 ألف شخص بالمقارنة بنفس الشهر من العام الماضي. ومع هذه الاعداد الإضافية من العاطلين ارتفع معدل البطالة في ألمانيا خلال شهر يونيو بنحو 0,1 نقطة مئوية ليصل الى نسبة 6,2 في المئة وهي النسبة الأكبر ب 1,3 نقطة مئوية عن معدل البطالة المسجل في نفس الفترة من العام 2019م. وعلق المدير التنفيذي لوكالة العمل الاتحادية (BA)، Detlef Scheele على هذه الزيادة في معدل البطالة بالقول  “لا يزال سوق العمل تحت الضغط بسبب جائحة كورونا”.

     كما بلغ عدد الموظفين المسجلين الجدد ضمن برنامج العمل بوقت مختصر Kurzarbeitergeld خلال الفترة من 1 وحتى 25 يونيو حوالي 342 ألف موظف وبلغ 1,14 مليون موظف في شهر مايو بعد ان كان العدد الإجمالي قد وصل ذروته خلال شهري مارس وابريل بما مجموعة 10,66 مليون موظف، الا ان العدد الإجمالي للمسجلين في البرنامج سجل تراجعاً بداية شهر يوليو الى 6,7 مليون موظف بعد عودة الكثير من الموظفين الى اعمالهم. من جانب أخر استمر انخفاض الطلب على العمال الجدد والذي ظهر بشكل كبير في بداية أزمة كورونا حيث تم تسجيل 570 ألف وظيفة شاغرة في مكتب العمل الاتحادي في شهر يونيو أي أقل بنحو 227 ألف وظيفة لنفس الشهر من العام الماضي.

وفي نفس السياق حذر اتحاد صناعة السيارات الألماني Verband der Automobilindustrie (VDA) من فقدان الوظائف في قطاع صناعة السيارات بسبب الركود العالمي في الطلب على السيارات. وأشارت رئيسة الاتحاد Hildegard Müller، إلى هذا الانخفاض في الطلب على السيارات بالقول ان “الركود في السوق غير مسبوق في نطاقه العالمي”.  ويتوقع اتحاد صناعة السيارات الألماني أن ينخفض الطلب في ​​السوق العالمي في العام 2020م بنسبة سالب -17 في المئة إلى ما يقرب من 66 مليون سيارة، بعد ان كان انتاج السيارات عالمياً قد وصل ذروته العام 2018م بنحو95,6 مليون سيارة قبل ان يتراجع في العام 2019م الى 91,7 مليون سيارة.

     وسيكون الانخفاض قوياً بشكل خاص في أوروبا بنسبة سالب -24 في المئة، تليها الولايات المتحدة بنسبة سالب -18 في المئة والصين بنسبة سالب عشرة في المئة. في ألمانيا، يتوقع الاتحاد انخفاض اعداد السيارات الجديدة بنسبة سالب -23 في المئة لتصل إلى 2,8 مليون سيارة.

     وقالت رئيسة (VDA) إن انتعاش الاقتصاد الذي تهدف أليه حزمة التحفيز الاقتصادي للحكومة الاتحادية في النصف الثاني من العام ربما لن يكون كافياً لوقف انخفاض التوظيف. مؤكدةً على انه لا يجب ان تغيب حقيقة أن العديد من الموظفين في القطاع مسجلين في الوقت الحالي في برنامج العمل لوقت مختصر، بالإضافة الى الوضع الصعب الذي توجد فيه العديد من الشركات المتوسطة الحجم المتخصصة في صناعة وتوريد أجزاء السيارات. وفي حال لم يتم خلق وظائف جديدة في الوقت المناسب فان صناعة السيارات ستدخل في ركود شديد مع خسائر كبيرة في الوظائف.

     هذا وكانت صناعة السيارات في ألمانيا قد دخلت في أزمة بداية من خريف العام 2019م وقبل ازمة كورونا بسبب فضيحة تزوير قيم انبعاثات الغازات العادمة لمحركات الديزل، حيث أطلقت شركات تصنيع السيارات الكبرى ومورديها برامج توفير في المصروفات ارتبطت بشكل أساسي بخفض كبير للوظائف. حيث كانت شركة دايملر تخطط لخفض عدد العاملين فيها بنحو 10 ألاف شخص في المجالات المتعلقة بالإدارة والإنتاج في جميع أنحاء العالم. الا ان هذا الرقم قد يكون الآن أعلى بكثير بسبب جائحة كورونا. كما أعلنت شركة أودي التابعة لمجموعة فولكسفاجن عن الغاء 9500 وظيفة في ألمانيا. وكانت شركة BMW قد اتفقت مؤخراً مع مجلس العمل على الغاء حوالي 6 ألاف وظيفة بسبب انخفاض المبيعات المرتبط بأزمة كورونا. كما تقوم الشركات الموردة لأجزاء السيارات بإلغاء عشرات الآلاف من الوظائف من خلال عدم شغل الوظائف الشاغرة، ومدفوعات نهاية الخدمة والتقاعد المبكر.

     وفي سياق متصل، استمر ارتفاع عدد العاطلين عن العمل في منطقة اليورو في شهر مايو بسبب أزمة كورونا. حيث أعلن مكتب الإحصاء الأوروبي ان عدد العاطلين في منطقة اليورو ارتفع خلال شهر مايو بواقع 159 ألفاً ليصل اجمالي عدد العاطلين إلى 12,146 مليون شخص، وهو ما يعني ارتفاع معدل البطالة في منطقة اليورو من 7,3 إلى 7,4 في المئة، في نتيجة مباشرة للإجراءات الصارمة التي اتخذتها العديد من الدول لاحتواء جائحة كورونا بدأً من شهر مارس.  وكان معدل البطالة (والذي يتم احتسابه بمعايير مختلفة عن المعايير المستخدمة في ألمانيا) في شهر مايو متفاوتا بين دول المنطقة حيث كان منخفضاً نسبياً في هولندا (3,6 في المئة) وألمانيا (3,9 في المئة). بينما سجلت أعلى القيم في اليونان (14,4 في المئة) وإسبانيا (14,5 في المئة).

     علاوة على ذلك ونتيجة لجائحة كورونا، تتوقع منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD معدل بطالة يصل إلى 9,4 في المئة في الربع الرابع من العام 2020م. وستكون هذه أعلى قيمة لمعدل البطالة للدول الثلاثين الأعضاء منذ الكساد الكبير في ثلاثينيات القرن الماضي، كما أعلنت المنظمة في تقرير التوظيف لعام 2020م، ان معدل البطالة في شهر مايو قد وصل في الدول الأعضاء الى 8,4 في المئة، أي أن 54,5 مليون شخص بدون عمل. وبالمقارنة بشهر أبريل، فقد انخفض المعدل بمقدار 0,1 في المئة. ويعود ذلك الى عودة العديد من العمال في الولايات المتحدة الى وظائفهم بعد تخفيف إجراءات خفض النشاط الاقتصادي.

استمرار ارتفاع الأسعار في سوق العقارات في ألمانيا

     ارتفعت أسعار العقارات في ألمانيا بشكل ملحوظ في الربع الأول من العام 2020م وأصبح على المشترين دفع مبالغ أكبر للعقارات في المدن الكبرى، كما أصبحت المنازل أكثر تكلفة في الريف. وبحسب مكتب الإحصاء الاتحادي ارتفعت أسعار العقارات السكنية خلال الربع الأول للعام الحالي في المتوسط ​​ بنسبة 6,8 في المئة عما كانت عليه في نفس الفترة من العام الماضي.

     وقد ارتفعت أسعار الشقق السكنية في أكبر سبع مدن ألمانية (برلين، هامبورغ، ميونيخ، كولونيا، فرانكفورت، شتوتغارت ودوسلدورف) في المتوسط ​​بنسبة 9,5 في المئة. كما ارتفعت أسعار المنازل المستقلة بنسبة 7,4 في المئة خلال عام، اما في المدن الرئيسية الأخرى التي يبلغ عدد سكانها 100 ألف نسمة أو أكثر، فقد ارتفعت أسعار المنازل بنسبة 8,3 في المئة وأسعار الشقق السكنية بنسبة 9,3 في المئة. كما أصبحت العقارات السكنية أكثر تكلفة في المناطق الريفية ذات الكثافة السكانية المنخفضة، حيث ارتفعت أسعار المنازل بنسبة 6,1 في المئة والشقق بنسبة 4,9 في المئة.

     وتشهد سوق العقارات في ألمانيا ازدهاراً منذ حوالي عشر سنوات نتيجة لطول فترة النمو الاقتصادي القوي وارتفاع الدخل ونقص المساكن في المدن والتي تسببت أيضا في دفع الأسعار إلى الارتفاع. بالإضافة إلى ذلك، فإن أسعار الفائدة المنخفضة ساهمت في الحصول على تمويل عقاري بكلفة محدودة وبالتالي زيادة الطلب على العقارات السكنية. وخلال العشر السنوات الممتدة بين عامي 2009-2019م تضاعفت أسعار العقارات وايجارات المساكن، فعلى سبيل المثال ارتفعت أسعار المساكن في العاصمة برلين خلال هذه الفترة بنسبة 135 في المئة لشراء وتملك العقارات السكنية وبنسبة 90 في المئة للإيجار، وبلغت نسبة الارتفاع في مدينة ميونخ 113 في المئة لشراء مسكن و66 في المئة للإيجار وفي هامبورج 96 في المئة لشراء منزل و55 في المئة للإيجار، كذلك الامر في مدينة فرانكفورت والتي ارتفعت فيها قيمة المنازل السكنية بنسبة 90 في المئة بينما ارتفعت ايجارات المنازل بنسبة 46 في المئة.

     من جانب أخر لا يزال من الصعب تقييم ما إذا كانت هذه الطفرة في سوق العقارات ستنتهي بسبب أزمة كورونا، اذ وفقاً لشركة F + B  المختصّة في العقارات، بالكاد تغيرت أسعار الإيجارات وشراء الشقق خلال الأزمة، بينما يتوقع اتحاد مصرف Deutschen Volksbanken und Raiffeisenbanken (BVR)  أن العقارات السكنية التي يشغلها مالكوها ستظل أكثر تكلفة هذا العام بنسبة 5 في المئة تقريبًا. كما يتوقع معهد الاقتصاد الألماني في مدينة كولونيا (IW) أن يكون لأزمة كورونا تأثيرات وانعكاسات معتدلة على قيمة إيجارات المساكن.

     وفي حين أن جائحة كورونا يمكن ان تؤدي إلى تأجيل دفع الإيجار في قطاع المكاتب والمحلات التجارية، إلا أن دفع إيجارات الشقق لم يتأثر بشكل ملموس بالانكماش الاقتصادي الذي تسببت فيه الجائحة، اذ بحسب معهد دراسات الاقتصاد الألماني فإن “الشقق في المدن الكبيرة لا تزال شحيحة، ولهذا السبب فمن المرجح أن يخرج هذا القطاع من الأزمة بدون خسائر كبيرة “. لذا فان عدداً قليلاً فقط من الشركات العقارية ستشهد خسائر عالية. ويرى العديد من خبراء سوق العقارات في ألمانيا ان ازمة كورونا قد تبطئ من ازدهار سوق العقارات لفترة مؤقتة الا ان السوق سوف يستعيد بعد فترة قصيرة النمو والازدهار مرة أخرى وخصوصا في المدن المتوسطة وفي محيط المدن الكبرى.

التحديات التي تواجه تفوق صناعة السيارات الألمانية

     لا ترتبط صناعة ما باي بلد كما ترتبط صناعة السيارات بألمانيا، والتي تشتهر بكونها بلد صناعة السيارات، ولا تجافي هذه المقولة الواقع فالحقيقة ان صناعة السيارات بدأت تاريخيا من ألمانيا والحقيقة الأخرى أيضا بان شركة فولكس فاجن للسيارات هي أكبر مُصنّع للسيارات في العالم. كما تعد صناعة السيارات أكبر واهم القطاعات الصناعية في ألمانيا سواء من حيث قيمة الإيرادات التي تحققها هذه الصناعة او من ناحية عدد العمالة التي تشتغل فيها، بالإضافة الى عوامل أخرى منها حجم الانفاق على عمليات التطوير والبحث العلمي والابتكار.

     لكن هذه الصناعة تواجه تحديات كبيرة ومختلفة والتي بدأت من خريف العام 2019م وتراجع مبيعات السيارات بسبب قضية تزوير قيم انبعاثات الغازات العادمة ومن ثم ازمة كورونا والتي أدت الى تراجع غير مسبوق في مبيعات السيارات في ألمانيا وفي أوروبا. في ألمانيا وبسبب الاغلاق الصارم للاقتصاد منذ بداية الأزمة، تقلصت مبيعات السيارات الجديدة بنسبة 50 في المئة في شهر مايو بعد ان كانت قد تراجعت بنسبة 61,1 في المئة في شهر ابريل، وبحساب اجمالي المبيعات للسيارات الجديدة في ألمانيا منذ بداية العام وحتى شهر مايو سجلت مبيعات السيارات تراجعاً اجمالياً خلال هذه الفترة بنسبة 35 في المئة مقارنة بنفس الفترة من العام السابق. ومن بين الشركات المصنعة الألمانية، سجلت مجموعة فولكس فاجن مع جميع العلامات التجارية للسيارات التي تنتجها، انخفاضًا بنسبة 72,7 في المئة في شهر أبريل ونحو 34,7 في المئة منذ بداية العام، وفي مجموعة ديملر المنتجة للسيارات من علامة مرسيدس – بنز، وصل الانخفاض الى نسبة 78,8 في المئة في شهر ابريل وبنسبة أكثر من 30 في المئة منذ بداية العام، بينما كان الانخفاض في شركة بي إم دبليو 65,3 في المئة في ابريل مقارنة بالشهر نفسه من العام الماضي و29,3 في المئة منذ بداية العام.

     وبالرغم من هذا التراجع في مبيعات قطاع صناعة السيارات الألماني الا ان ألمانيا تضل الدولة الرائدة في هذه الصناعة على مستوى العالم، حيث أظهرت دراسة حديثة صادرة عن مركز إدارة السيارات (CAM) ان ما مجموعه 55 في المئة من جميع الابتكارات الجديدة في العالم في صناعة السيارات في العام الماضي 2019م أتى من شركات صناعة السيارات الألمانية فولكس فاجن وشركتي دايملر وبي إم دبليو، وذلك من بين ما مجموعه 1465 ابتكاراً قدمها مصنعو السيارات العالميون خلال العام، وبزيادة بنسبة 10 في المئة عن العام 2018م.

     ويرى البرفسور Stefan Bratzel مدير مركز إدارة السيارات الألماني، ان شركات تصنيع السيارات الألمانية تتمتع باتساع هائل من الابتكار في جميع مجالات تكنولوجيا السيارات، حيث تأتي 36 في المئة من القوة المبتكرة للصناعة بأكملها من شركات تصنيع السيارات الألمانية، تليها الصين بنسبة 23 في المئة فيما تمتلك شركات صناعة السيارات من الولايات المتحدة الأمريكية نسبة 13 في المئة من القدرات الابتكارية في صناعة السيارات. ولاحظ Bratzel ان هناك سباق ابتكار مكثف في الصناعة العالمية، وخاصة بين ألمانيا والصين.

     ومع هذا التفوق في مجال الابتكارات الا ان مصنعي السيارات الألمان لا يمكنهم الاعتماد عليه لوقت طويل، حيث ان هناك أوجه قصور في بعض مجالات الابتكار الرئيسية مثل السيارات الكهربائية وكذلك في مجال برمجيات القيادة الذاتية للسيارات، وهذين المجالين هما التهديد الرئيسي للتفوق الألماني في صناعة السيارات خلال الفترة الطويلة والمتوسطة القادمة. وعلى الرغم من تطوير الصناعة الألمانية للسيارات من قدراتها الابتكارية في هذين المجالين الا ان اللحاق بالركب والوصول الى المستوى الذي وصلته بعض الشركات العالمية قد يستغرق بعض الوقت. فبينما تمثل السيارة الألمانية من طراز Porsche Taycan   اول سيارة رياضية كهربائية تستطيع الوصول الى سرعة 100كم/ساعة من الصفر خلال 3 ثوان فقط، احد افضل السيارات الكهربائية، بالإضافة الى القدرة على شحن بطاريتها ذات 800 فولت بنسبة 80 في المئة والتي تكفي لمسافة 400 كيلومتر خلال 23 دقيقة فقط، بحسب الشركة المصنعة، الا ان شبكة الشحن السريع بقوة 800 فولت المخصصة لهذا النوع من السيارات ما تزال في مرحلة البناء، بينما تمتلك الشركة المنافسة في مجال السيارات الكهربائية Tesla شبكة متكاملة من محطات شحن السيارات الكهربائية في الولايات المتحدة.     وفي هذا الإطار يقدر البرفسور Bratzel تقدم شركة Tesla الامريكية في صناعة السيارات الكهربائية مقارنة بالمصنعين الاخرين بحوالي ثلاث سنوات. وبشكل عام، ارتفعت الابتكارات الجديدة في تقنيات السيارات الكهربائية إلى مستوى قياسي بلغ 184 ابتكاراً في العام 2019م، وبزيادة عن العام الذي سبق بنسبة 82 في المئة، وبحيث أصبحت نسبة الابتكارات الجديدة في تقنيات السيارات الكهربائية 12,6 في المئة من مجموع الابتكارات في صناعة السيارات العالمية.

     وتتمثل المشكلة الأساسية في تعزيز القدرة التنافسية للشركات الألمانية في صناعة السيارات الكهربائية في عمل كل شركة على تطوير هذا النوع من السيارات بشكل منفرد، خصوصا في مجال تطوير برمجيات نظام القيادة، بينما تتعاون شركة تسلا الامريكية مع اكبر الشركات العالمية في تطوير برامج قيادة سياراتها الكهربائية خصوصا مع شركتي Google  و Amazon. ويدعو Bratzel شركات تصنيع السيارات الألمانية الى ضرورة التعاون بشكل وثيق مع الموردين الرئيسيين لأجزاء السيارات في ألمانيا مثل شركتي Bosch  وContinental  من أجل إنشاء نظام برمجي قادر على المنافسة في أقرب وقت. مع إمكانية اختيار الشركات لنظام (Android Automotive) إذا كان هذا النظام يعمل بشكل أفضل من الأنظمة الألمانية ذاتية الصنع، مشيرا في هذا الجانب إلى مشاكل البرمجيات في السيارة الكهربائية الجديدة من فولكس فاجن.

قمة الاتحاد الأوروبي تقر حزمة مالية لمواجهة ازمة كورونا بأكثر من 1,8 ترليون يورو

     بعد أكثر من أربعة أيام من المفاوضات الصعبة، اتفقت دول الاتحاد الأوروبي على أكبر حزمة مالية في تاريخها لمواجهة أزمة كورونا. ويبلغ حجم الاتفاق الذي تم التوصل إليه حوالي 1,8 تريليون يورو. وينص على انشاء صندوق إعادة اعمار بقيمة 750 مليار يورو سيساعد دول الاتحاد الأوروبي التي تضررت بشدة من الجائحة على معالجة الاضرار والخسائر التي اصابت اقتصاداتها. حيث سيتم تقديم 390 مليار يورو على شكل مساعدات ومنح مالية بينما سيتم تقديم 360 مليار يورو على شكل قروض. بالإضافة إلى ذلك، تمت الموافقة على إطار ميزانية الاتحاد الأوروبي للسنوات من 2021م إلى 2027م بحجم يتجاوز 1,074 تريليون يورو.

     ويعد هذا الاتفاق نجاحا لرئاسة ألمانيا للاتحاد الأوروبي التي بدأت هذا الشهر، وقد علقت المستشارة أنجيلا ميركل على نجاح أعضاء الاتحاد في التوصل الى اتفاق بالقول “انها إشارة هامة الى ان أوروبا ما تزال قادرة على التصرف بشكل مشترك”. بينما وصف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الحدث بانة ” يوم تاريخي بالنسبة لأوروبا”. وقد انعكس التوصل الى اتفاق أوروبي بشكل إيجابي على الأسواق المالية، حيث ارتفع اليورو إلى أعلى مستوى له في أربعة أشهر.

     وكانت الخلافات قد تركزت بشكل كبير على برنامج إعادة الاعمار والمنح المالية التي يُفترض ان تقدم للدول الاعضاء ذات البطالة المرتفعة والنمو الاقتصادي الضعيف، والتي تضررت بشكل خاص من أزمة كورونا. وقد انقسمت دول الاتحاد في هذا الموضوع الى جبهتين الأول متمثلة في دول شمال أوروبا وتضم هولندا، النمسا، الدنمارك والسويد وانضمت لها فنلندا، وبين دول جنوب القارة وخصوصا إيطاليا واسبانيا وفرنسا. وبينما اعترضت دول شمال أوروبا على تقديم منح مالية مجانية للدول الأعضاء، عبر الأوروبيون الجنوبيون عن توقعهم مزيدا من التضامن من شركائهم الأوروبيين في ازمة تعد الأسوأ منذ عقود.

     في المشروع الأصلي الذي قدمته المفوضية الأوروبية تم تخصيص 500 مليار من برنامج إعادة الاعمار للمنح غير القابلة للسداد و250 مليار يورو أخرى ستقدم للدول الأعضاء على شكل قروض. وقد اقترح رئيس مجلس الاتحاد الأوروبي Charles Michel خفض المبلغ المخصص للدعم المجاني بمقدار 50 مليار يورو إلى 450 مليار يورو وبالتالي زيادة المبلغ المخصص للقروض إلى 300 مليار يورو. الا ان هذا المقترح لم يرض الدول الأوروبية المعترضة، وقال دبلوماسيون من الاتحاد الأوروبي إن رئيس الوزراء الهولندي Mark Rutte والمستشار النمساوي Sebastian Kurz، على وجه الخصوص، طالبوا بخفض المبلغ المخصص للمنح المالية بشكل كبير إلى ما دون 400 مليار يورو، وهو الحد الذي لم تكن إسبانيا وإيطاليا وفرنسا مستعدة للقبول به، قبل ان تتوصل الأطراف الى تسوية، حيث تم خفض حجم هذه المنح الى 390 مليار يورو ورفع قيمة القروض التي سيقدمها برنامج إعادة الاعمار الى 360 مليار يورو.

     كما تم التوصل الى تسوية بخصوص شروط تلقى هذه الأموال، حيث يشترط ان تتلقى الدول الأموال بعد ان تقدم خططاً للإصلاح الاقتصادي والاستثمار في بلدانها الى المفوضية الأوروبية، على انه يجب أن يوافق مجلس وزراء المالية في الاتحاد الأوروبي على خطط الإصلاح الوطنية بأغلبية مؤهلة، ثم تقرر مفوضية الاتحاد الأوروبي متى تحصل كل دولة على الأموال من صندوق إعادة الإعمار. ومع ذلك، لا يمكن للمفوضية ان تحول الاموال إلا إذا وافقت جميع الدول الأعضاء.  وفي حال اعتراض دولة عضو، فيجب أولاً معالجة النزاع بشكل مُرضٍ. ويرى مصدر في الاتحاد الأوروبي بأن عبارة “مُرضي” ليست واضحة، وتترك الباب مفتوحا فيما إذا كان بإمكان دولة عضو أن تستخدم حق النقض (الفيتو) لمنع تقديم المساعدة المالية من برنامج إعادة الاعمار إلى دولة أخرى او لا.

     علاوة على ذلك ظهر خلال القمة أيضا خلاف بين دول غرب أوروبا وشرقها حول مبدأ “سيادة القانون” حيث اشترطت دول غرب أوروبا ان يرتبط تقديم المساعدات الاقتصادية الى الدول الأعضاء مستقبلاً بمدى التزامها بالمبادئ الأساسية لسيادة القانون، وعلى وجه الخصوص، ضمان استقلالية القضاء، وإلا فهناك خطر أن تختفي أموال الاتحاد الأوروبي في القنوات المظلمة وأن السلطة القضائية في البلد المعني لا تستطيع ان تفعل شيئًا حيال ذلك. ويأتي هذا الشرط الجديد نتيجة التجارب السلبية مع بولندا والمجر في السنوات الماضية، اذ ان كلا البلدين في أوروبا الشرقية متهمان بانتهاك مبادئ سيادة القانون في الاتحاد الأوروبي عبر اجرائهما إصلاحات قضائية وإعلامية مثيرة للجدل.  وقد اتفقت الدول الأوروبية في هذا الجانب على صياغة تؤكد سيادة القانون فيما يتعلق بدفعات الاتحاد الأوروبي، لكن في نهاية المطاف تم تكليف مفوضية الاتحاد الأوروبي بالخروج بمقترحات دقيقة حول كيفية الامتثال للمبادئ، وبالتالي تم تأجيل النزاع جزئيا.

     وخلال القمة ايضاً اتفقت حكومات الاتحاد الأوروبي الـ 27 على أن يحصل الاتحاد الأوروبي على إيراداته الخاصة، حيث وبداية من الأول من يناير 2021م سيتم تحصيل ضريبة البلاستيك لصالح الاتحاد. كما تم الاتفاق بشكل غير مسبوق ان تتولى المفوضية الأوروبية الاقتراض لتمويل صندوق إعادة الاعمار من خلال اصدار سندات دين أوروبية يتم سدادها بحلول عام 2058م. ولسريان اتفاق دول الاتحاد في اجتماع القمة يجب الحصول على موافقة البرلمان الأوروبي اولاً، وبعد ذلك يجب أن تصادق البرلمانات الوطنية في الدول الأعضاء على الاتفاقية.