انخفض مؤشر معهد الدراسات الاقتصادية في جامعة ميونخ ifo لمناخ الأعمال في شهر أكتوبر إلى 92.7 نقطة، بعد ان كان قد وصل الى مستوى 93.2 نقطة خلال شهر سبتمبر. وهذا هو الانخفاض الأول بعد خمس زيادات متتالية. حيث تظهر الشركات الألمانية شكوكاً أكبر في التطورات الاقتصادية خلال الأشهر المقبلة، نظرًا لتزايد عدد الإصابات بعدوى كورونا وتزايد المخاوف من تأثيرات ذلك على الاقتصاد الألماني. وعلى النقيض من ذلك، قيمت الشركات وضعها الحالي بشكل أفضل إلى حد ما مما كان عليه في الشهر السابق.

في قطاع الصناعة، عاد مؤشر مناخ الأعمال إلى المنطقة الإيجابية للمرة الأولى منذ يونيو 2019م، حيث اظهرت عدد أكبر من الشركات بشكل ملحوظ رضى عن وضع أعمالهم الحالي، وإمكانية رفع طاقتها الإنتاجية من 75.3 إلى 79.8 في المئة. ومع ذلك، فإن التفاؤل الذي ظهر مؤخراً فيما يتعلق بالأشهر المقبلة قد تعرض لانتكاسة ملحوظة.

في قطاع الخدمات، تدهور مناخ الأعمال بشكل ملحوظ. حيث كانت الشركات العاملة في القطاع أقل رضا عن وضعها الحالي. بالإضافة إلى ذلك، اختفى تفاؤل الأشهر الماضية بخصوص توقعات الاعمال خلال الأشهر القادمة. اما في تجارة التجزئة، فقد انخفض مؤشر مناخ الأعمال بشكل طفيف. وفي حين كان تجار التجزئة أكثر تشاؤمًا بشكل ملحوظ بشأن الأشهر المقبلة، إلا أنهم كانوا أكثر رضى عن الأعمال الجارية. في صناعة البناء، توقف الاتجاه التصاعدي في مناخ الأعمال لأول مرة، بعد ان قامت الشركات بتصحيح تقييماتها الجيدة للوضع الحالي بشكل تنازلي. بالإضافة الى ان توقعات شركات القطاع للأعمال خلال الفترة القادمة كانت أيضًا أكثر تشاؤماً.

     من جهة أخرى وبحسب تقرير الخريف للحكومة الاتحادية عن التطورات الاقتصادية في ألمانيا والذي قدمه وزير الاقتصاد والطاقة بيتر ألتماير، تتوقع الحكومة الألمانية تراجع الناتج المحلي الإجمالي للعام 2020م بنسبة 5,5 في المئة. وتعود هذه التوقعات الى الركود التاريخي الذي أصاب الاقتصاد في النصف الأول من العام بسبب جائحة كورونا والإجراءات الاقتصادية من تباعد اجتماعي واغلاق للنشاط الاقتصادي التي تبعته. وعلى الرغم من الانتعاش القوي للاقتصاد عقب تخفيف هذه الإجراءات، تباطأ هذا الانتعاش بعد ذلك، لكنه استمر بدعم من التدابير الاقتصادية المكثفة من قبل الحكومة الاتحادية. وفي هذا السياق اظهر تقرير لمكتب الإحصاء الاتحادي (Destatis) ارتفاع الناتج المحلي الإجمالي في الربع الثالث من عام 2020م بنسبة 8,2 في المئة مقارنة بالربع الثاني من العام الجاري بعد ان سجل تراجعاً في الربع الأول بواقع 2,2 في المئة والربع الثاني بواقع 10,1 في المئة.  وأتى هذا النمو مدفوعا بارتفاع الإنفاق الاستهلاكي الخاص وزيادة الاستثمار في المعدات والارتفاع في الصادرات. الا انه، ومع هذا النمو الكبير، الا ان معدل الناتج المحلي الإجمالي في الربع الثالث لهذا العام يضل اقل بنسبة 4,1 في المئة مقارنة بالربع الثالث من العام 2019م.

     في غضون ذلك أكد تقرير الخريف للتطورات الاقتصادية، الذي أعدته وزارة الاقتصاد الاتحادية، ان المؤشرات الرئيسية الحالية ترجح أن عملية تعافي الاقتصاد سوف تستمر عند مستوى منخفض خلال فصل الشتاء على الرغم من زيادة عدد الإصابات بفيروس كورونا. حيث يعتمد الانتعاش الاقتصادي على تطور معدلات الإصابة. في جانب اخر تتوقع الحكومة الاتحادية أن يرتفع الناتج المحلي الإجمالي في العام المقبل 2021م بنسبة 4.4 في المئة. اما العام 2022م فيتوقع ان يسجل نموا بنسبة 2.5 في المئة. وبناءً على ذلك فانة يتوقع استعادة الوضع الاقتصادي ما قبل ازمة كورونا في نهاية العام 2021م أو بداية العام 2022م.

     وفي جانب الارتفاع الكبير في الإصابات الجديدة بفيروس كورونا التي تشهدها ألمانيا في الوقت الحالي أكد الوزير ألتماير إنه “يجب كسر الموجة الثانية من الزيادة السريعة الأخيرة في الإصابات الجديدة، ولهذا السبب قررت الحكومة الاتحادية، جنبًا إلى جنب مع الولايات الفيدرالية، تجديد القيود على الحياة العامة”. من جهته يتوقع رئيس الرابطة الاتحادية للبيع بالجملة والتجارة الخارجية والخدمات (BGA)أنطون بورنر أن ” عملية استعادة النمو الاقتصادي الى مستوى ما قبل الازمة ستفقد الآن زخمها بشكل واضح في ضوء الإغلاق الجزئي الأخير”. حيث تشكل عمليات الإغلاق القطاعية “عبئاً كبيراً” على الانتعاش الاقتصادي، حتى لو كان لها ما يبررها وكانت مناسبة لأسباب صحية.

     وزير المالية الاتحادي، أولاف شولتز، يرى الإغلاق الجزئي في شهر نوفمبر على أنه “شهر الحقيقة” الذي على أساسه ستبني الحكومة خطواتها القادمة، مشدداً على بذل الحكومة ” قصارى جهدها لكسر ديناميات العدوى وحماية الأرواح والاقتصاد”. ومع ذلك، يعتبر رئيس وزراء ولاية سارلاند توبياس هانز (CDU) تمديد الإغلاق الجزئي إلى ديسمبر ممكناً إذا لم ينخفض ​​عدد الإصابات بشكل كبير. في ضوء هذه التوقعات، ووفقاً لكبير الاقتصاديين في البنك التعاوني الألماني DZ Bank، ستيفان بيلمير، فإن الانتكاس إلى “الركود ” يبدو الآن غير مرجح. وسيعتمد مسار تعافي الاقتصاد في العام المقبل إلى حد كبير على التطوير والتوزيع الناجح للقاح ضد كورونا. فيما يشير كبير الاقتصاديين في كومرتس بنك، يورج كرامر، إلى أن الاقتصاد قد عوض ما يقرب من ثلثي الركود المرتبط بكورونا في الربع الثالث حيث “كان من الممكن أن تكون هذه خطوة رائعة إلى الأمام للربع الرابع. ولكن بسبب موجة كورونا الثانية والإغلاق الجديد، يمكننا أن نكون سعداء إذا لم ينخفض ​​النمو الاقتصادي في الربع الرابع إلى ما دون الصفر “.

     من جهته توقع مجلس حكماء الاقتصاد الألماني ان ينكمش الاقتصاد في العام 2020م بنسبة 5,1 في المئة فقط على الرغم كذلك من الاغلاق الجزئي الذي أعلنته الحكومة الاتحادية. وتأتي تقديرات حكماء الاقتصاد أكثر تفاؤلاً من تقديرات الحكومة اعتمادا على ان الاقتصاد تعافي بقوة خلال فترة الصيف، بينما ينعكس الوضع بالنسبة لتقديرات النمو الاقتصادي في العام القادم 2021م حيث يقدر حكماء الاقتصاد نسبة النمو المتوقعة بنحو 3,7 في المئة فقط.

     كما تشير تقديرات الحكماء الى أن إغلاق المطاعم وحظر الأحداث الثقافية والرياضية في شهر نوفمبر سيكون لهما عواقب اقتصادية طفيفة نسبياً. وذلك لأن القطاعات المتأثرة لا تمثل جزء كبيرا من حجم الاقتصاد الكلي حيث يقدر غابرييل فيلبرماير، رئيس معهد كيل للاقتصاد العالمي، مساهمة هذه القطاعات في الناتج المحلي الإجمالي بنحو 4 في المئة فقط.  وبالتالي لن يؤدي الإغلاق الجزئي إلا إلى خفض النمو هذا العام والعام المقبل بمقدار 0.2 نقطة مئوية.

     ووفقاً لحكماء الاقتصاد، تؤكد أحدث المؤشرات الاقتصادية أن انتعاش الاقتصاد ما زال مستمرا حتى الآن، على الأقل في الصناعة. ففي صناعة السيارات، والتي كانت من أكثر القطاعات الصناعية تضررا من جائحة كورونا، بلغ مستوى الصادرات والإنتاج خلال هذه الفترة مستوى العام السابق تقريبًا. كما ظل مؤشر نشاط البنك المركزي الألماني إيجابياً. وأثنى مجلس الحكماء على إدارة الازمة من قبل الحكومة الاتحادية، حيث كان الركود الذي تسببت فيه ازمة كورونا حتى الآن أكثر اعتدالا في ألمانيا منه في العديد من دول الاتحاد الأوروبي الأخرى، بالإضافة الى انه من المرجح أن يكون أكثر اعتدالا إلى حد ما من ركود الأزمة المالية لعام 2009م، والذي يرجع أيضا، من ضمن أسباب عديدة، إلى حزمة التحفيز الاقتصادي البالغة 130 مليار يورو. لكن العديد من الخبراء الاقتصاديين يحذرون من التفاؤل المبالغ فيه باعتبار ان “أزمة كورونا لم يتم التغلب عليها بعد”، وطالما زاد عدد الإصابات بشكل حاد، سيظل الوضع الاقتصادي هشّاً. واتت هذه التحذيرات متسقة مع تصريحات المستشارة ميركل التي قالت “علينا أن نفترض أن الموجة الثانية ستكون أكثر صعوبة” مؤكدة ان ذلك “سوف يبقينا مشغولين طوال فصل الشتاء”.

سوق العمل: انخفاض معدل البطالة مع استمرار تأثيرات كورونا

     انخفض معدل البطالة في ألمانيا في أكتوبر. وذلك بعد ان انتعش سوق العمل مع بداية فصل الخريف وانتهاء موسم العطلات الصيفية، حيث تراجع عدد العاطلين عن العمل في شهر أكتوبر بنحو 87 ألف شخص مقارنة بشهر سبتمبر السابق ليصل اجمالي عدد العاطلين الى 2,760 مليون شخص تقريباً، والذي تبعة بالتالي انخفاض معدل البطالة بنحو 0,2 نقطة مئوية ليصل معدل البطالة في ألمانيا الى نسبة 6 في المئة. وعلى الرغم من هذا التحسن الكبير في سوق العمل الا ان عدد العاطلين خلال هذه الفترة يضل أكبر من عددهم بالمقارنة بنفس الفترة من العام الماضي بحوالي 556 ألف شخص كما ان معدل البطالة يضل هو أيضا اعلى بنحو 1,2 نقطة مئوية بالمقارنة بما تم تسجيله في شهر أكتوبر من العام 2019م. واعتبر رئيس مكتب العمل الاتحادي (BA)، Detlef Scheele، ان هذه الفروق بين مستويات البطالة في العام الحالي بالمقارنة بمستوياتها المسجلة في العام السابق ترجع الى الاثار الواضحة للموجة الأولى من وباء كورونا على سوق العمل.  وتم تسجيل 602 ألف وظيفة شاغرة لدى مكتب العمل الاتحادي في أكتوبر وهو العدد الأكثر بحوالي 17 ألف وظيفة بالمقارنة بالشهر السابق ولكنه اقل بنحو 162 ألف وظيفة بالمقارنة بنفس الشهر من العام السابق.

     وفيما يتعلق ببرنامج العمل بدوام جزئي الذي تدعمه الحكومة الاتحادية ويستهدف حماية الوظائف ومنع تسريح الموظفين عبر دفع تعويضات عن الرواتب، فقد بلغ عدد المسجلين الجدد خلال الفترة من الاول وحتى 25 من أكتوبر نحو 96 ألف شخص وهو تقريبا نفس عدد المسجلين في شهر سبتمبر. وبحسب بيانات معهد الأبحاث الاقتصادية التابع لجامعة ميونخ ifo فقد تراجع عدد المستفيدين من برنامج العمل بدوام جزئي من 3,733 مليون موظف في شهر سبتمبر وبنسبة 11,2 في المئة من اجمالي عدد العاملين المشمولين بالضمان الاجتماعي في ألمانيا، الى 3,286 مليون موظف في شهر أكتوبر وبنسبة 9,8 في المئة من اجمالي الموظفين. 

     وفي جانب أكثر القطاعات الاقتصادية تضررا من ازمة كورونا من حيث خسارة الوظائف وأماكن العمل، اظهر تقرير لمكتب الاحصاء الاتحادي ان قطاع الخدمات سجل أكبر انخفاض، حيث ومع نهاية الربع الثالث من العام 2020م وبالمقارنة مع نهاية الربع الثالث من العام 2019م، تراجع اجمالي عدد المشتغلين في القطاعات الخدمية بنحو 419 ألف شخص. وقد تم تسجيل أكبر خسائر للوظائف في قطاع التجارة والنقل والضيافة والذي خسر ما يقرب من 260 ألف وظيفة، ويليه قطاع مقدمي خدمات الشركات، والتي تضم أيضًا شركات تعيين وتأجير العمالة والتي فقدت 190 ألف وظيفة، كما انخفض عدد الأشخاص العاملين في الخدمات الأخرى بحوالي 90 ألف شخص. بينما استمر الاتجاه التنازلي الذي كان موجوداً لسنوات بين مقدمي الخدمات المالية والتأمينية والذين فقدوا 14 ألف وظيفة.  في المقابل، تم تسجيل مكاسب التوظيف في مقدمي الخدمات العامة مثل التعليم والصحة والذي ارتفع عدد الموظفين في هذا المجال بما يقرب من 129 ألف شخص وكذلك في قطاع المعلومات والاتصالات الذي زادت عدد الوظائف في اطارة بنحو 10 ألاف وظيفة.

     في الصناعة التحويلية (باستثناء قطاع البناء)، استمر الانخفاض في عدد العاملين بمعدل متزايد بالربع الثالث من عام 2020م مقارنة بالعام السابق، حيث تراجع عدد العاملين في هذا القطاع بـ 236 ألف شخص. اما في صناعة البناء، فقد استمر تحقيق مكاسب التوظيف، حيث ارتفع عدد الوظائف بنحو 21 ألف وظيفة.  وفي قطاعات الزراعة والحراجة وصيد الأسماك، انخفض عدد الأشخاص العاملين بمقدار 20 ألف شخص.

     وبالإضافة الى الانخفاض في عدد الموظفين انخفض أيضا عدد أصحاب الأعمال الحرة والعاملين لحسابهم الخاص في الربع الثالث 2020م بالمقارنة بالربع الثالث 2019م بحوالي 168 ألف شخص ليصل مجموعهم الى 3,98 مليون شخص.

مخاطر ازمة كورونا على البنوك الألمانية والأوروبية

     أظهرت دراسة موسعة عن أضرار ازمة كورونا على قطاع البنوك ومؤسسات التمويل المالي الأوروبية ان البنوك الأوروبية لا تزال “مستقرة في بيئة السوق الصعبة”، حيث انه وفي نهاية الربع الثاني من عام 2020م، كان لدى 36 بنكاً من أكبر البنوك الأوروبية حوالي 317 مليار يورو في شكل قروض معدومة في ميزانياتها العمومية. ويعد هذا المبلغ أكبر من حجم القروض المعدومة المسجلة قبل عام ولكنه أيضًا أقل من الديون المعدومة التي تم تسجيلها عام 2009م في ذروة الازمة المالية العالمية والتي بلغت 444 مليار يورو. ومع ذلك لا تعد هذه النتيجة النهائية لأضرار الازمة حيث أن العواقب النهائية لأزمة كورونا لا يمكن تقييمها حتى الآن بسبب تدخل الدول الأوروبية وتقديمها مساعدات كبيرة لدعم الاقتصاد. الدراسة التي قامت بها شركة Bearingpoint الاستشارية تضمنت فحص 86 ميزانية نصف سنوية لكبرى البنوك الأوروبية لمعرفة مدى اضرار أزمة كورونا التي أصابت الصناعة المالية وما هي الأضرار اللاحقة التي يمكن ان تصيب المؤسسات المالية. ويخشى مستشارو Bearingpoint أن الضرر تم تأجيله فقط حيث انه “يمكن تأجيل الآثار السلبية الناتجة عن زيادة حالات إفلاس الشركات والأسر الخاصة إلى المستقبل لكن عندما تنتهي إجراءات الدعم الحكومية ستصبح حالات الإفلاس عبئاً على التعافي الاقتصادي على المدى الطويل”.

     لقد اصابت جائحة كورونا المؤسسات المالية الأوروبية في مرحلة صعبة بالفعل. حيث كانت هوامش الربح تحت ضغط مستمر بالفعل قبل تفشي الفيروس، وهو الامر الذي يفاقم الآن الوضع في خضم التغيير الهيكلي الجاري في قطاع البنوك الأوروبي والذي ينطبق بشكل خاص على البنوك الألمانية، التي يتخلف أدائها بشكل كبير عن متوسط أداء البنوك ​​الأوروبية. خصوصا عندما يتعلق الأمر بنماذج الأعمال المستدامة، كما ان البنوك الألمانية تحقق دخلًا وأرباحًا أقل بالنسبة لكل عميل مقارنةً بمنافسيها الأوروبيين. ومن اجل الوصول الى المتوسط الأوروبي على بنوك ألمانيا زيادة دخلها بنسبة خمسة في المئة وخفض تكاليفها بنسبة 20 في المئة.

     الى جانب ذلك تزداد المخاوف من العواقب اللاحقة لأزمة كورونا بالنسبة للقطاع المصرفي في ألمانيا حيث اظهر تقرير الاستقرار المالي الذي صدر عن البنك المركزي الألماني من أن عدد حالات إفلاس الشركات قد يرتفع إلى 6000 حالة كل ربع في النصف الأول من العام 2021م، وهو ما سيمثل أكثر بنسبة 20 في المئة مقارنة بنفس الفترة من العام 2019م. ويحذر توماس شتاينر، المدير العالمي للخدمات المصرفية وأسواق رأس المال في Bearingpoint، من أنه نظراً للإلغاء المؤقت لمتطلبات الإبلاغ عن الإعسار بالنسبة للشركات، فإنه من الصعب على البنوك تقييم المخاطر الفعلية في الوقت الحالي. حيث أصبحت المؤسسات المالية “عمياء تقريبا”. ووفقًا لتقديرات البنك المركزي الأوروبي، وفي حالة الازدياد القياسي في حالات الإفلاس، قد ترتفع القروض المعدومة في الميزانيات العمومية للبنوك الأوروبية إلى 1.4 تريليون يورو. وهو الرقم الذي يتجاوز بكثير قيمة الديون المعدومة خلال الازمة المالية العالمية 2008-2009م.

     من جانبها تخشى وكالات التصنيف الائتماني أيضًا من أن إجراءات المساعدة الحكومية تخفي الحجم الحقيقي لعواقب كورونا. حيث يشير الخبراء ان النتائج المؤقتة للبنوك “لم تروي القصة كاملة”، ويحذرون من انه حتى الميزانيات العمومية لعام 2020م ككل لن تكشف الوضع الحقيقي لصناعة التمويل الاوروبي. ومع ذلك يمكن بالفعل رؤية جزء من الضرر الناجم عن كورونا في الميزانيات نصف السنوية للبنوك الأوروبية. في المتوسط ​​، انخفض العائد على حقوق الملكية بمقدار 4.4 نقطة مئوية أو ما يعادل 70 في المئة في النصف الأول من عام 2020م مقارنة بالعام الذي سبق.  وعلى الرغم من تضخم الأصول الإجمالية للبنوك بشكل كبير في أزمة كورونا، بسبب ارتفاع الإقراض ولأن المؤسسات المالية كانت مشبعة بالسيولة التي مدتها بها البنوك المركزية، فإن تقلص الأرباح هو المسؤول الأول عن انهيار الربحية. حيث انخفضت الأرباح قبل الضرائب بمعدل 68 في المئة في النصف الأول من العام مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق. كما عانت البنوك البريطانية خلال النصف الأول من العام من انخفاض في الربحية بنسبة 50 في المئة تقريبًا. اما في ألمانيا فقد انخفض معدل العائد إلى 0.5 في المئة فقط.  ويتوقع الخبراء الماليون متوسط ​​عائد للعام بأكمله يبلغ حوالي 2 في المئة لصناعة التمويل المالي الأوروبية بأكملها و1.1 في المئة للبنوك والمؤسسات المالية الألمانية.

     وامام الخسائر المتوقعة للبنوك نتيجة ازمة كورونا بالإضافة الى المصاعب التي كانت تواجهها مؤسسات التمويل الأوروبية في السابق والمتركزة على تدني الربحية وتراجع العائدات، والتي كان أحد أسبابها الانخفاض التاريخي لمعدلات الفائدة التي اقرها البنك المركزي الأوروبي منذ العام 2016م عند مستوي صفر في المئة، أصبحت عمليات اندماج البنوك والتي ستؤدي الى ارتفاع الربحية وخفض التكاليف أكثر الحاحاً.  وفي هذا الصدد قال رئيس مصرف (دويتشه بنك) Christian Sewing “إذا أردنا كبنوك أن نظهر أننا موجودون في وسط المجتمع المالي العالمي، فهذا أفضل وقت لذلك”. “الأمر لا يتعلق فقط بالعالم مع كورونا، ولكن أيضًا بالعالم بعد كورونا.” وأضاف Sewing “في أزمة كورونا اثبت القطاع المالي الأوروبي أنه أقوى مما كان عليه قبل عشر سنوات”.  لكن البنوك ليست مربحة بدرجة كافية. “علينا كقطاع معالجة أكبر مشكلة هيكلية لدينا في أوروبا على المدى المتوسط والتي تتمثل في التجزئة. حيث يوجد في أوروبا أكثر من 5000 مؤسسة مالية، وهذا عدد كبير جدا.  ومن بين أكبر 20 بنكاً في العالم، لم يعد من ضمنها أي بنك في الاتحاد الأوروبي”.

ازدهار اقتصاد البيئة (الرأسمالية الإيكولوجية)

     تمارس السياسة والمجتمع في ألمانيا وأوروبا وكثير من دول العالم ضغوطًا متزايدة من اجل اتباع إجراءات أفضل وأكثر تقدما في مجال حماية المناخ، وهو الامر الذي تستجيب له الشركات بشكل متزايد وخصوصا الشركات التي لا تعد تقليديا متحمسة لسياسات واهداف حماية المناخ. فعلى سبيل المثال، أصبحت شركات النفط ترى نهاية عصر الوقود الأحفوري، كما وضعت شركات الصلب أهدافها المناخية الخاصة، وقامت شركات انتاج الكهرباء بتغييرات جوهرية على مصادر انتاج الطاقة بعد قرار التخلص التدريجي من الفحم كمصدر للطاقة. كل هذه التغيرات التي لم يكن تصور حدوثها منذ عشر سنوات أصبحت اليوم حقيقة واقعة. وللمرة الأولى أصبح لما يسمي “بالاقتصاد الأخضر” او الرأسمالية الإيكولوجية فرصة جيدة للنجاح. حيث ان المزيد والمزيد من الشركات تضع لنفسها أهدافًا مناخية، وتقوم باستثمارات خضراء تقدر بالمليارات وتعيد ترتيب أولوياتها. لقد اثبتت التجربة ومنذ وقت طويل أن الاقتصاد وحماية البيئة لا يجب أن يكونا متعارضين.

     من أكثر المجالات التي تشهد تحولا نحو توظيف واستخدام تقنيات حماية البيئة هو قطاع انتاج الطاقة الكهربائية حيث، وبحسب تقرير صادر عن مؤسسة Bloomberg New Energy Finance ومدرسة فرانكفورت للتمويل، تم خلال العام الماضي 2019م استثمار 282,2 مليار دولار تقريبا في الطاقات المتجددة في جميع أنحاء العالم. وعلى الرغم من ان هذا المبلغ يمثل زيادة بنسبة 1 في المئة فقط بالمقارنة باستثمارات العام 2018م الا ان حجم الزيادة في حجم الطاقة المنتجة كبير حيث ارتفعت الطاقة المنتجة عبر مصادر الطاقة المتجددة الصديقة للبيئة في العام 2019م الى 184 جيجاوات بزيادة بنحو 20 جيجا وات او ما نسبته 12 في المئة مقارنة بالطاقة المنتجة في العام 2018م. وهذا الحجم من الطاقة يساوي انتاج 74 محطة متوسطة الحجم لتوليد الكهرباء بواسطة الفحم.

     لقد تغلبت الرياح والطاقة الشمسية والطاقة الحيوية أخيرًا على العقبة التي كانت تمثل دائمًا أكبر عيوب الطاقة المتجددة في الماضي وهي التكلفة العالية لإنتاجها، الا ان الوضع تغير في الوقت الحاضر حيث أصبحت الكهرباء المنتجة عبر الطاقة الشمسية الآن أرخص من الكهرباء التي يتم انتاجها من محطة طاقة جديدة تعمل بالفحم أو الغاز. لقد أصبحت الكهرباء المنتجة بواسطة الخلايا الكهروضوئية وفي عدد متزايد من دول العالم بالفعل أرخص وسيلة لتوليد الكهرباء، ووفقًا للخبراء، سوف تصبح أرخص في السنوات القليلة المقبلة.

     من المميزات التي أثبتتها التجربة في استخدام مصادر الطاقة المتجددة ان الشركات التي تعتمد على هذه المصادر كانت أكثر مقاومة للازمات، فبينما انخفضت أسعار أسهم الشركات العالمية وحققت خسائر بمليارات الدولارات اثناء ازمة كورونا كانت خسائر مشغلي محطات طاقة الرياح والطاقة الشمسية محدودة وفي بعض الحالات ارتفعت أسهم بعض هذه الشركات الى مستويات قياسية.

     لقد دخلت شركات مختلفة في مجال المنافسة على تطوير تقنيات حماية البيئة واستخدامها لم يكن لمعظمها اهتمام مسبق في هذا المجال مثل شركات (Shell، Blackrock، Thyssen-Krupp، Bayer) وأصبحت شركة RWE لإنتاج الكهرباء ثالث أكبر منتج للكهرباء الخضراء في الاتحاد الأوروبي، بعد ان كانت أكبر مصدر لانبعاث ثاني أكسيد الكربون في أوروبا. وتحولت الشركة الى استثمار المليارات في طاقة الرياح والطاقة الشمسية والهيدروجين، بينما كانت منذ عامين فقط تتمسك بشدة باستخدام الفحم في توليد الكهرباء. هذا التحول في الشركة ليس عائدا الى ارتفاع في الوعي البيئي بقدر ما هو استراتيجية تتعلق بالبقاء الاقتصادي.

     تحول حماية البيئة الى استراتيجية للعديد من الشركات لتطوير اعمالها في ألمانيا وفي أوروبا انعكس على حجم الاستثمارات في تقنيات حماية البيئة وخفض انبعاثات الغازات الضارة حيث استثمرت الشركات الألمانية في العام 2019م ما يزيد عن 44,4 مليار يورو في تطوير هذه التقنيات وهو ما يساوي 36 في المئة من اجمالي الاستثمارات في هذا المجال في أوروبا وهو ما يضعها في الطليعة لتأتي الشركات الاسبانية في المركز الثاني وباستثمارات بقيمة 37,9 مليار يورو وبنسبة 31 في المئة من اجمالي الاستثمارات الأوروبية، في المركز الثالث أتت الشركات الإيطالية بمبلغ 24,3 مليار يورو وبنسبة 20 في المئة، وجاءت الشركات الفرنسية في المركز الرابع باستثمارات بقيمة 6 مليار يورو وبنسبة 5 في المئة ومن ثم الدنمارك بمبلغ 4,5 مليار يورو وبنسبة 4 في المئة من اجمالي الاستثمارات الأوروبية في تقنيات حماية البيئة والمناخ.

     وتزداد أهمية تقنيات البيئة بالنظر الى حقيقة ان تجاوز عملية الاحترار وارتفاع درجة حرارة المناخ بأكثر من 1,5 درجة مئوية يهدد بحدوث موجات من الجفاف والفيضانات والعواصف والتي لن تصيب الأفراد فقط ولكنها ستصيب الاقتصاد أيضا. فوفقًا لدراسة أجراها مشروع الكشف عن الكربون (CDP)، وهي منظمة مستقلة تحتفظ بواحدة من أكبر قواعد البيانات المتعلقة بمخاطر تغيرات المناخ على الشركات، فإن 215 شركة من بين أكبر 500 شركة في العالم تضع المخاطر التي يشكلها تغير المناخ ضمن حساباتها وتقدر الخسائر المحتملة بحوالي ترليون دولار. لهذا فان إدراك أهمية حماية البيئة تتجاوز القطاعات الاقتصادية التقليدية لتصل الى قطاعات كثيرة ومتنوعة منها قطاع صناعة السيارات والذي أصبح التحول نحو انتاج السيارات الكهربائية وإيقاف انتاج سيارات محركات الاحتراق الذاتي مجرد مسالة وقت، وكذلك صناعة الاسمنت التي تتحمل المسؤولية عن نحو 8 في المئة من انبعاثات الغازات العادمة في العالم والتي تسعى الان الى تبني وتطوير تقنيات حماية البيئة.

بحر الشمال وبحر البلطيق مركزاً لتوليد الطاقة في أوروبا

     افتتح وزير الاقتصاد والطاقة الألماني بيتر التماير مع وزير الطاقة الدانماركي دان يورجنسن ومفوض الطاقة في الاتحاد الأوروبي كادري سيمسون نهاية شهر أكتوبر الماضي مشروع ربط شبكتي نقل الكهرباء المنتجة عبر طاقة الرياح في البحر بين البلدين، وهو المشروع الأول من نوعه في أوروبا والعالم. ويربط المشروع مزرعة الرياح البحرية الدنماركية Kriegers Flak، والتي هي قيد الإنشاء حاليًا، مع مزرعة الرياح البحرية الألمانية (البلطيق 2). عبر كابلين طول كل واحد منهما 25 كيلو متر. وقد وصف الوزير التماير المشروع باعتباره ” منارة أوروبية للتعاون عبر الحدود”.

     ويؤشر مشروع الربط الكهربائي بين محطتي لتوليد الكهرباء عبر طاقة الرياح في البحر بين دولتين اوروبيتين الى ان دول الاتحاد الأوروبي في طريقها لاستخدام البحار بشكل مشترك من أجل إنتاج الكهرباء على نطاق واسع والاقتراب من تحقيق اهداف حماية البيئة والمناخ. هدف الاتحاد الأوروبي هو تشغيل مزارع الرياح البحرية بطاقة 300 جيجاوات في المياه الأوروبية بحلول عام 2050م. هذا الحجم المستهدفة (300 جيجاوات) هو جزء من الإستراتيجية الخارجية لمفوضية الاتحاد الأوروبي في مجال الطاقة. وتقدر الاستثمارات في مجال توسيع طاقة الرياح البحرية بحوالي 800 مليار يورو. بينما تبلغ الطاقة المنتجة عبر مزارع الرياح البحرية في أوروبا في الوقت الحالي (باستثناء النرويج وبريطانيا) حوالي 12 جيجا وات. مما يعني ان المفوضية الأوروبية تسعي الى مضاعفة حجم الطاقة المولدة عبر مزارع الرياح البحرية ب 25 ضعفاً حتى العام 2050م.

     من جهتها تعتبر جمعية الصناعة الأوروبية Wind Europe ان طاقة بحجم 450 جيجاوات ممكن توليدها عبر مزارع الرياح البحرية بحلول العام 2050م ولكنها تضم في حساباتها هذه النرويج والمملكة المتحدة. وبالمقارنة فان هذا الحجم من الطاقة يساوي قدرة 450 مفاعلًا نوويًا لتوليد الطاقة او ما يساوي انتاج 450 محطة توليد كهرباء كبيرة بواسطة الفحم.  قد تبدوا هذه التقديرات متفائلة جدا لكن هذا التفاؤل ليس من فراغ، حيث يفترض العديد من المستثمرين الماليين مثل بلاك روك أن طاقة الرياح البحرية في أوروبا وحدها ستنمو بمعدل سبعة أضعاف بحلول عام 2030م. اذ توفر مزارع الرياح البحرية “الفرصة الأوروبية الأكثر قابلية للنمو” في توسيع مصادر الطاقات المتجددة، وذلك بحسب ديفيد جيوردانو، الرئيس العالمي لقسم الطاقات المتجددة في بلاك روك.

     وفيما يتعلق بخطط المفوضية الأوروبية لتوسيع انتاج الكهرباء عبر مزارع الرياح البحرية، قال Stefan Thimm، المدير الإداري للاتحاد الألماني لمشغلي مزارع الرياح في البحر (BWO) “هذا هدف كبير وطموح، لكنني مقتنع بإمكانية تحقيقه، مضيفاً أنه بدون نمو قوي في طاقة الرياح البحرية، لن تتمكن أوروبا من تحقيق أهداف حماية المناخ، وأكد قناعته بانة سوف تتطور طاقة الرياح البحرية لتصبح واحدة من الركائز الرئيسية لإنتاج الكهرباء في أوروبا.

     وفي هذا المجال تلعب مزارع الرياح في بحر الشمال وبحر البلطيق الدور الأكثر أهمية في خطط الاتحاد الأوروبي، إضافة الى عدد من هذه المزارع الموزعة بين البحر الأبيض المتوسط ​​والمحيط الأطلسي. لذا تجد ألمانيا نفسها في مركز هذه الخطط. كما تحاول الحكومة الاتحادية تعزيز التوسع في طاقة الرياح البحرية على المستوى الأوروبي أيضًا. وقالت متحدثة باسم وزير الاقتصاد والطاقة التماير “طاقة الرياح البحرية هي محور اهتمام رئاسة مجلس الاتحاد الأوروبي. في المستقبل، نريد العمل بشكل أوثق مع جيراننا وتنفيذ مشاريع تعاون عبر الحدود “.

     وتساعد التطورات التقنية في زيادة أهمية وجاذبية مزارع الرياح البحرية في مجال توليد الطاقة الكهربائية بكلفة مناسبة، حيث كانت مزارع الرياح البحرية تعتبر ذات يوم مكلفة للغاية، بينما يعيش إنتاج الكهرباء في أعالي البحار الآن طفرة هائلة. عندما بدأ تشغيل أول مزارع طاقة الرياح البحرية في ألمانيا، تم اعتبارها واحدة من أغلى الخيارات لتوليد الكهرباء من مصادر متجددة. اما الان فقد شهدت تكلفة انتاج الكهرباء عبر مزارع الرياح البحرية تراجعا بنسبة 60 في المئة عن مستوى تكلفتها في العام 2012م.

     من جهة أخرى كانت التوربينات التي يقل إنتاجها عن خمسة ميجاوات تعتبر قبل عشر سنوات التوربينات القياسية، اما اليوم، يقدم المصنعون باستمرار فئات أداء جديدة. حيث قدمت جنرال إلكتريك توربينًا بقدرة 13 ميجاوات، والذي سيدخل في سلسلة الإنتاج العام المقبل. كما تخطط شركة Siemens Gamesa لتصنيع توربين بقدرة 14 إلى 15 ميجاوات بحلول العام 2024م.

     وبحسب Thimm مدير عام (BWO) فمن أجل نجاح التوسع في طاقة الرياح البحرية في بحر الشمال وبحر البلطيق، يجب أن تقترب البلدان المجاورة من بعضها البعض، أما إذا خططت كل دولة لنفسها، فلا يمكن تجنب عدم الكفاءة وإغلاق مزارع الرياح، ويتعين على الدول المطلة على بحر الشمال وبحر البلطيق التنسيق إقليمياً، ويجب أن تكون الشبكات متصلة عبر الحدود الوطنية.

التبادل التجاري العربي الألماني يناير – سبتمبر 2020م